الأستاذ الدکتور أحمد مصطفی أبوالخير

أستاذ علم اللغة بجامعة المنصورة

الاتفاقية الدولية لحماية التنوع الثقافي

قراءة وملاحظ

2008-1429

www.geocities.com/abu_elkher

www.askzad.com

abu_elkher@yahoo.com

 

الإهـــداء

إلى الجمعيات الراعية للغة العربية التي انطلقت من قلب العالم العربي ، من قاهرة المعز ، فبدأت بلسان العرب 1992 ، ثم الجمعية المصرية لتعريب العلوم ، فحماة اللغة العربية بدء الألفية الثانية.

ثم انتقل العطر والأريج إلى مشرق العالم العربي ، في الشارقة من إمارات العرب ، ثم غربت في وطن العرب حتى كانت الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية عام 2007 ، التي ترفع شعار (خاطبني بلغتي يا ابن بلدي).

وفي أقصى الجنوب الشرقي من قارة آسيا ، في الحاضرة الماليزية المتألقة كوالا لمبور جاءت جمعية اللغة العربيــة ـ 22/6/1989 ـ أما في غـرب آســيا ، فقد شهد جمعية صاعدة واعدة ، أكملت هذي الأيام([1]) الأول من يناير 2008 من عمرها عامها الأول ، في مدينة أصفهان ، وما أدراك ما أصفهـان ـ موقعهـا جنوب العاصمة طهران بــ 355 ك م.

ونقتبس من ابن تيمية ([2]) بعض ما قيل عن أصفهان (بالفاء أو الباء) :

-   قال الأصمعي ، عبد الله بن قريب : عجم أصبهان قريش العجم.

-   سعيد بن المسيب : لولا أنني رجل من قريش لتمنيت أن أكون من أصبهان.

-  الحافظ عبد القادر الرهـاوي : (مـا رأيـت بلـدا ـ بعد بغداد ـ أكثر حديثـا من أصبهان وكان أئمة السنة علما وفقها والعارفون بالحديث وسائر الإسلام المحض فيهم أكثـر من غيرهـم ، حتى قيل : إن قضاتهم كانـوا مـن فقهاء الحديث ، مثـل : صالح

ابن أحمد بن حنبل ، وأبى بكر بن عاصم ومن بعدهم).

ويقول ابن تيمية : (وكان سلمان (t) من أهـل أصبهان ، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهما ، فإن آثار الإسلام كانت بأصبهان أظهر من غيرها) .

أما المعجم الكبير الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة فيذكر أن أصبهان اشتهرت بصناعتها المعدنية وهي مركز لصناعة النسيج ، فتحها          المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ 23 هـ / 643م ، ينسب إليها عدد كبير مـن العلمـاء مـن أشـهرهم ( أبـو مسلم الأصبهانـي ـ أبـو الفـرج الأصفهـاني صـاحب الأغانـي ـ حمـزة بـن الحسـن الأصبهـاني ـ الراغـب الاصبهاني ـ العمـاد الأصبهـاني) وغيرهم وغيرهم ([3]).

ومن الطريف أن من رأى في النوم أنه دخل (أصبهان) أو أنه فيها ، دل على مصاحبة الأكابر([4]) ، أي من العلماء والفقهاء والفضلاء.

نعتذر للقارئ عن هذي الاستطرادة المقتضبة ، ونضيف بأن أصبهان قدمت في العام الفائت إلى العربية أحدث جمعية لرعاية اللغة العربية ، إنها جمعية اللسان العربي الدولية.

إنه يحدوني الأمل أن تقوم كل جمعية راعية للعربية بتشكيل لجنة لدراسة هذي الاتفاقية لبحث الإفادة الممكنة من موادها ، أو اقتراح مواد أو بنود جديدة ، أو تطوير ما هو موجود لخدمة قضايا العربية وكل ما يخصها ، ويرفع من شانها.

د . أحمد مصطفى أبو الخير

خادم اللغة العربية

 

تقدمـة الدراســة

بمجرد أن طرق سمعي هذا العنوان : (الاتفاقية الدولية لحماية التنوع الثقافي ) حتى أغراني بترك شواغلي وكتاباتي ومترجماتي إلى الكتابة حول حماية التنوع الثقافي ، قضية العصر ، مفترق خطير ، مِفْصل مرعب في حياة البشرية ، من أصلها إلى أن تقوم الساعة التي علمها عند ربي ، كيف ؟

حيث إن العالم الآن تتجاذبه وبقوة عاتية إعصارية سنامية ([1]) أعاصيرية ، فكرتان متناقضتان ، فكرة تأخذ العالم نحو التنوع والثراء وقبول الاختلاف في الدين والملة والمذهب واللغة والثقافة والبيئة والخلُق والخلْق والطباع ... الخ في إطار الاختلاف آية ورحمة ([2]).

 

والأخرى راعبة مرعبة راعنة مرعنة ، أحادية في كل شيء ، لا مكان لاختلاف في أي شيء ، وكل خروج عن النص المقدس لهذي الأحادية دخل إلى محور الشر الأشر البطر ، ليجد نفسه فقد حقه في الحياة ، وواجه بعد موته محنة مهمة ، لا أحد في العالم يمكن أن يغامر باستقبال جثمانه أو حتى رفاته.

 

وفي هذا الجو المشحون والملوث بالتجاذب الشديد نحو الأحادية برزت لنا وللعالم هذي الاتفاقية التي تروم حماية التعددية ، خطوة مهمة في تقدم البشرية ، بل في بقائها على قيد الحياة ، أية حياة ، لقد انتقلنا من تشجيع التعدد إلى حمايته ، وباتفاقية دولية.

 

هذه الاتفاقية سبقتها جهود دولية سلفت في هذا المجال ، كيف ؟ قبل الإجابة

نلمح في عجالة عجلى إلى الفرق بين مصطلح (الاتفاقية) وبيـن : المعاهدة والاتفـاق

والميثاق والعهد ([3]) والملحق ، فنقول :

 

الاتفاقية : تعالج موضوعات قانونية، أو إجرائية، تختص بالآليات وخطوات التنفيذ ، أو تضع تنظيما قانونيا ، أو إطارا قانونيا بين أطرافها ، مثل اتفاقية فيينّا للعلاقات الديبلوماسية 1961 ، واتفاقية جنيف لقانون البحار 1958 ، والاتفاقية التي نحن بصددها لحماية التنوع الثقافي.

 

المعاهدة : وهي أوثق المصادر والمرجعيات في القانون الدولي ، فيغلب عليها الطابع السياسي السيادي بين الدول، أي في صلب سياستها وصميم سيادتها ، كمعاهدات التحالف والصداقة ، مثل معاهدة فرساي ، المنسوبة إلى قصر فرساي في الحاضرة الفرنسية باريس1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى1914ـ 1918.

 

تيك ـ تلك ـ المعاهدة التي أنهت الحرب العالمية الأولى ، وأقامت عصبة الأمم التي ورثتها الأمم المتحدة لاحقا ، أي في عام 1945.

 

الاتفـاق : ليـس له صفة سياسـية ـ كمـا سـبق فـي المعاهـدة ـ بـل هـو منـوط متعلق بالثقافة أو التجارة أو المال والنقد ، مثل اتفاق التعريفات والتجارة الموقع في جنيـف 1947، والاتفـاق الـدولي للسـكر فـي جنيف ـ أيضـا ـ 1997، وهلـم جـرا.

 

الملحـق : أو Protocol ([4]) اتفــاق يتضـمـن تعديـلا لبعــض أحـكـام الاتـفـاق

الأصلي أو إضافة له، أو يتضمن تنظيما لمسائل تابعة أو متفرعة لاتفاق سبق إبرامه بين الأطراف ، مثل ملحق جنيف على اتفاقية 1979 الخاصة بالتلوث عبر الحدود الناجم عن النقل الجوي عبر الحدود.

 

الميثاق أو العهد : المعاهدات السياسية الكبرى ، خاصة المنشئة للمنظمات الدولية أو الإقليمية ، مثل ميثاق الأمم المتحدة ، وميثاق جامعة الدول العربية ، وميثاق منظمة الوحدة الإفريقية التي أصبحت الاتحاد الإفريقي الآن.

 

والآن ، الآن حان وحان أن نذكر الجهود التي سلفت قبل الاتفاقية الدولية لحماية التنوع الثقافي لنشير إلى ما يلي :

1-   اتفاقية الإجراءات الواجب اتخاذها لحظر ومنع استيراد وتصدير الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة 1970.

2-   اتفاقية حماية التراث العالمي والثقافي والطبيعي 1972.

3-   اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي ([5]) 2003.

4-   العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966.

 

ونخص هذا العهد بكليمة ، نشير فيها إلى أنه حظي بدراسة ليث زيدان ، في الحوار المتمدن (العدد 1971) في 9/7/2007 ، وقد ذكر الرجل بريده ([6]) الإلكتروني إلى جانب العنوان السابق ، ولكن الكاتب الليث يخلص إلى عدة استنتاجات حول هذا العهد ، منهـا : (صعوبة تفـسير هذا العهد وغموضه ـ خلوه من

نص يوفر الحماية العملية الملزمة ـ اختلاف طبيعة هذه الحقوق وتجزئتها).

 
 

كما أن تنفيذ هذا العهد يصطدم بمبدأ سيادة الدول الذي يرفع في وجه الناس دائما ، إضافة إلى عدم تجانس المجتمع الدولي اجتماعيا أو اقتصاديا أو ثقافيا ، ثم حدث ولا حرج عن مصالح الدول الغنية الكبرى التي تضع مصالحها ووجهات نظرها أمام قاطرة كل إصلاح لصالح الفقراء .

 

باقي الصعوبات تركزت حول: (دور المنظمات غير الحكومية ـ دور الأفراد ـ الخصوصية الثقافية) .

 

ويخلص الكاتب في النهاية إلى أنه لا يزال هناك دور حقيقي وفعال على الأمم المتحدة أن تقوم به لتطبيق هذا العهد ، كما أن على الدول الأطراف في هذا العهد أن تقوم بتطبيقه ، أما المنظمات غير الحكومية فإنها مدعوة لدعم وتعزيز احترام هذه الحقوق من خلال التوعية وإرشاد الناس ، والضغط الفعال على الحكومات ، ثم على الشعوب الوعي التام بهذه الحقوق والمشاركة الحقيقية في تنفيذها.

 

نخرج من الحديث عن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى الاتفاقية الدولية لحماية التنوع الثقافي ، إنها لم تك عملا يتيما أو بدعا في أعمال الأمم المتحدة أو اليونسكو، إذ هي نتاج عمل متواصل ودءوب يهدف إلى أمرين مهمين ، وإن ظهر للباده أنهما متناقضان ، أو يصعب الجمع بينهما ، وهما (الخصوصية الثقافية) ثم الاعتراف بالآخر ، بل التواصل والتفاعل معه.

 

النموذج الإسلامي في الجمع بين الخصوصية وبين الاعتراف بالآخر هو الأدق والأرقى في تاريخ البشرية ، هذا النموذج يعتمد على عدة مبادئ ، منها :

 

1-    ( إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُون)َ ([7]).

2-    (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) ([8]).

3-    (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ   &إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) ([9])

4-  ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) ليعرف بعضكم بعضا، يعرف الرجل نسبه وأهليه، أصله وفرعه ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ([10])

5-    في الحديث الشريف : (اختلاف أمتي رحمة) ([11])

6-  ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ & إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ([12]).

 

مما سبق في الآيتين يتضح أن الله لا ينهانا عن البر والقسط إلى الناس ممن خالفونا في الدين خاصة إلا إذا ارتكبوا واحدة من هذي الخطايا :

-   قاتلونا في الدين وبسببه.

-   أخرجونا من ديارنا ، وأوطاننا.

-   ظاهروا وأعانوا على إخراجنا من الديار.

 

فإن فعلوا شيئا مما سبق ، فإن الله ينهانا أن نتولاهم ، أي : ننصرهم ونحالفهم ، وإلا  فلا جناح علينا أن نحسن معاملتهم ، بالعدل والقسطاس ، لا نظلمهم في شيء ، إذن فالشيء المنهي عنه فقط نصرهم أو التحالف معهم وتأييدهم إذا وقعوا في إحدى الخطايا الثلاث السابقات ([13]) .

 

انتهينا الآن من الشق الخاص بالتعامل مع الآخر ، خاصة المخالف لنا في الدين ، ونثني بمسألة الخصوصية والحفاظ عليها ، وعلى الهوية ، فنذكر الآيات التاليات :

1- ( قُلْ ([14]) يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ & لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ & وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ & وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ & وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ & لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ). المفاصلة تامة مكتملة في مسألة العبادة ، لا نعبد ما يعبدون ، وفي الدين ، لهم دينهم وملتهم ، ولنا أيضا ، لا خلط بين هذا وذاك ، ولا تهاون ولا تساهل فيه.

2-  ( وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ) ([15]) افتراء غير ما أنزل الله من الوحي وادعاؤه محظور ممنوع ، حفاظ على الخصوصية والهوية.

 

وفي الآية التالية يخاطب القرآن محمدا (r) : ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً & إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) ([16]) فالركون والميل إلى المشركين ولو كان قليلا أو شيئا من هذا القليل مما يحظره القرآن الكريم حفاظا على الخصوصية وصونا للهوية الإسلامية.

 

3-  ( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ & وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) ([17])  ودوا لو تلين أو تتساهل ، أي في أمر العبادة والدين ، وهكذا المسلم لا يتساهل ولا يلين في شيء مما سلفا فقط ، أما غيرهما من شئون الحياة والدنيا والتعامل مع الناس فلا تثريب في التفاهم والتواصل والحوار.

 

على أي الأحوال نعود خفافا سراعا إلى الاتفاقية الدولية لحماية التنوع الثقافي لنشير إلى المخاض والولادة ، حتى جاءت هذي الاتفاقية ، نرمي من وراء هذا إلى إعطاء فكرة عن آليات العمل في مثل هذي المنظمة الدولية (اليونسكو) حيث إن بعض الناس ـ بادي الرأي ـ يتصور أن مثل هاتيك المنظمات الدولـة ، أو الإقليمية ـ أو غيرهما ـ لا نفع ولا جدوى منها ، هي لا تضـر ولا يمكن أن تنفع ، أو على الأقل ضررها أكثر من نفعها ، وهو تصور خاطئ 100 %.

 

إن مثل هذي المنظمات ـ وغيرها من المؤسسات الوطنية ـ ليست شرا كلها ، وفي المقابل ليست خيرا صريحا صراحا لاشية فيه ، ولا شبهة ، من يعملون فيها ليسوا ملائكة الرحمات والنفحات، وإنما هم بشر، مجرد بشر ، لهم نفعهم وإسهامهم وخيرهم ، ولهم أيضا عيوب ومعايب وعليهم كثير من الملاحظ والملاحظات.

 

ولا تعـدم أن تجـد مـن ينـادي بحمـاس لمقـاطعـة مثــل هــذي المنظمــات ـ أو المؤسسات ـ بل لعلك تجد من ينادي بإلغائها، كما تسمع من ينادي بتصفيتها وإلغائها برغم الدور الذي تلعبه من أجل خدمة الناس وقضاياهم ، فتجد مثلا من ينادي بإلغاء جامعة الدول العربية أو مهاجمتها ، أو مهاجمة أمينها العام الحالـي المتألـق ـ عمرو موسـى ـ أو من سـلف ـ برغـم أن بيـت العـرب قـدم الكثيـر في خدمة الأمـة العربيـة ، ويكفـي أنها كانت أسوة وقدوة لدول أخرى حذت حذو العرب فأنشأت منظمات على غرارها ، مثل منظمة الدول الناطقة بالفرنسية، ثم الأسبانية والبرتغالية والتركية ([18]) والملايو.. الخ.

 

إن الدعـوة إلى إلغـاء مثـل هـذي المنظمـات ـ والمؤسسات ـ والقضـاء عليها يشبه رجلا شديد العقل والتعقل إذا أصابه ألم في عضو من أعضائه فكر في التخلص منه حتى يأمن ويستريح من هذا الألم.

 

وهذا ما ينادي به بعض العقلاء أو مدعي العقل عندما ينادون بإلغاء كليات التربية ، والتمهيد لهذا الإلغاء بالهجوم عليها من كل جانب ، محاولة إضعافها وقص أجنحتها وريشها حتى تسقط وحدها ، وقريبا سيقول الحكماء وفلاسفة الخراب في عالمنا ، وما الداعي إلى كليات العلوم والزراعة ، وبعدها الآداب والتجارة ... الخ.

 

مع أن المنطق الباده البادي الظاهر يشير علينا بالإصلاح والترميم ، كما تفعل ـ سيدي القارئ ـ إذا حدث لسيارتك أو بيتك أو شقتك أو شيء من أدوات المنزل أو من أجهزتـه ، إذا حـدث شيء منها تبادر ـ سـيدي ـ إلى إصلاحـه ، ولا تتعمد تركه مقدمة ونية مبيتة للتخلص والقضاء عليه.

 

تمامـا تماما كما  حدث لبعـض شـركات ومؤسسـات القطاع العـام ـ في بعـض البلـدان ـ وكانت دعامة مهمـة من دعامات اقتصـاد النـاس وحياتهم ، ثم بيـع كل هـذا

بثمنه ؟ كلا ، بل بأرخص من تراب الدقيق والطحين.

 

ولو كانت منظمة اليونسكو مثلا لا تنفع في شيء ما قطعت عنها بعض الدول الغنيـة المتصـدرة ـ والتي نسيت أسـماءها ـ كـل تمويـل عنـها ، ولعـل تفصيـلا لهـذي النقيطة يأتي بعيد هذي السطور.

 

لكن تـرى ـ عزيـزي القـارئ ـ أننا بحاجـة إلى كليمة عن نشـأة اليونسكو قبل الحديـث بعيـدها عن ولادة اتفاقيـة التنـوع الثقافـي ؟ وأنا أوافـق قارئي الرأي ، فأقول ([19]) : 

 

نادت فرنسا في مؤتمر سان فرانسسكو1945 الذي وضع مشروع ميثاق الأمم المتحدة ، نادت بإنشاء هيئة ثقافية تابعة للأمم المتحدة ما أثمر عن تقديم وزراء تعليم الحلفاء ( بريطانيـا ـ فرنسـا ـ الولايات المتحـدة ) مشروع ميثاق لإنشاء تيـك ـ تـلك ـ المنظمة ، وقد وافـق المؤتمر المذكـور على ميثاق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وقد تم الربط بين هذي المنظمة وبين الأمم المتحدة باتفاقية وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4/12/1946.

 

اليونسكو لها مركز للمطبوعات في الحاضرة المصرية ، في قلب العالم العربي ، يتحف القراء العرب والمستعربين بعديد من الكتب والدوريات والمطبوعات باللغــة العربيـة ، فمـن الدوريــات ( المجلـة الدوليـة للعلـوم الاجتماعيـة ـ ديوجيـن ـ مستقبليات ـ رسالة اليونسكو ... ) الخ.

 


والآن حان الانتقال إلى مخاض اتفاقية التنوع الثقافي وولادتها ، يحكيها للقراء المدير العام لليونسكو ، هذا قَبْس كلامه ([20]) ، يأتي بعد الإشارة إلى جهود أحد الأكاديميين الهولنديين على لسان مترجم كتاب صدام الحضارات إلى العربية، كيف ؟ هذا هو ، أو هُوَهْ :

 


المخاض والولادة

 

شارك في مخاض هذي الاتفاقية وولادتها بالإضافة إلى اليونسكو المجتمع المدني، ومنه مفكرون وعلماء وأكاديميون.. الخ ، ونبدأ بأحد الأكاديميين الهولنديين ثم نثني بجهود اليونسكو .

 

يحكي الأستاذ طلعت الشايب : مؤلف هذا الكتاب (حماية التنوع الثقافي مسئولية من ؟) هو البروفيسور (جووست سمايرز) المتخصص في العلوم السياسية وعلاقتها بالفنون (كلية اوترخت ـ هولندا) يولي اهتماما خاصا لقضية التنوع الثقافي وهو ما جعله يقوم بتنظيم مؤتمر في أمستردام سنة 2003 دعا إليه أكثر من عشرين باحثا وناشطا ثقافيا من أنحاء العالم لمناقشة هذا الموضوع ، وفي هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (الفنون والآداب تحت ضغط العولمة) يحاول أن يحدد نقاط الضعف في خطوط الدفاع عن الفنون والآداب وأن يقدم بعض الأفكار والاقتراحات لحماية التنوع الثقافي وتنميته بما يحقق صالح المبدعين والمتلقين بشكل عام.

 

في الجزء الأخير من هذا الكتاب (الصادر عن (زد) بالمملكة المتحدة في 2003) يحاول المؤلف أن يوجز الخطوات المختلفة التي يمكن أن توضع في الاعتبار عند التفكير في استراتيجيات كافية لقبول سياسات التنوع الثقافي وتطبيقها في أنحاء العالم أو في كل دولة على حدة ـ إن شئنا الدقة ـ حسب احتياجاتها ، وتكون في الوقت نفسه متناغمة مع غيرها من الدول ومشمولة بحماية آليات عالمية.

 

إن الهدف النهائي بالطبع هو أن تقوم الدول القومية بوضع النظم والقوانين الخاصة مثلا بتنوع أدوات الإنتاج والتوزيع والترويج الثقافي ، أو أن تجبر الوسائط والمنافذ الإعلامية على أن تقدم التنوع الفني الموجود في العالم بالفعل ، ولكن هناك عوامل دولية تؤثر حقيقة في هذه الرغبة المحلية ، فالشركات التي تعوق التنوع الثقافي لها منافذ متعددة في العالم ، كما أن منظمة التجارة العالمية التي تهدف إلى تحرير الأسواق الثقافية أيضا ، هي آلية تعمل على مستوى العالم ، ولذلك فإن أية دولة لا تستطيع بمفردها أن تقاوم ضغوط بعض الدول الكبرى والمنظمات العالمية مثل منظمة التجارة العالمية ولا شركات الإعلام والتسلية ولا بعض القطاعات من سكانها ، وعليه فإن الدول لابد من أن توحد جهودها المشتركة وأن تتعاون معا في اتخاذ إجراءات وضوابط تكفل حماية وتنمية التنوع الثقافي والفني.

 

لابد إذن من التفكير في حركة عالمية ، منظمة غير حكومية ، تحفز وتنسـق يتصـور المؤلف أن يكون اسمها ـ مـن بين تصــورات أخرى طبعا ـ (كل فنون العالم) وهي لابد من أن تكون بالفعل منظمة قادرة على الاضطلاع بمهام كثيرة صعبة ، ولكن من الذي سيقوم بتأسيس هذه المنظمة العالمية غير الحكومية ؟ يتصور (جووست سمايرز) أن يكون الآباء المؤسسون هما (الشبكة العالمية للتنوع الثقافي) و (التحالف من أجل التنوع الثقافي) وهما شديدا الاهتمام بالتعبئة العالمية من أجل عقد اتفاقية للتنوع الثقافي ، ومع ذلك لابد بداية من مشاركة فئات المنظمات والشبكات الثقافية من جميع أنحاء العالم في تأسيس هذه المنظمة العالمية غير الحكومية وأن يكون لها أفرع منتشرة متنوعة النشاط أشبه بدلتا النهر التي تضطلع بمهام استراتيجية لصد بحر المصالح الاقتصادية الهائج.

 

أولى هذه المهام جمع معلومات عن شتى الموضوعات ، وبالطبع عن الخطوات التي تقوم بها اليونسكو والدول الأعضاء بها، حول اتفاقية التنوع الثقافي، وما يدور في داخل منظمة التجارة العالمية والجات والجاتس والتريبس بشأن الثقافة وكيف تتعامل منظمة التجارة مثلا مع التوصية المنصوص عليها في المادة (31) من إعلان مؤتمر الدوحة الوزاري ( 14 نوفمبر 2001 ) والتي تقضي بضرورة إعادة النظر في العلاقة بين الاتفاقيات في مجالات التجارة والبيئة ، وهو موضوع بالغ الأهمية بالنسبة للتنوع الثقافي.

 

لابد من بحث عمليات الدمج التي تتم بين شركات الإعلام وشركات التسلية وينبغي ألا يكون ذلك قاصرا على الولايات المتحدة الأمريكية فقط ، وضرورة تحليل نتائج استخدام التقنيات الجديدة في إنتاج وتوزيع وترويج الأعمال الفنية وأشكال التعبير المختلفة ، مع عدم التردد في مناقشة نظام حق النشر المعمول به حاليا ، وكيف تحول إلى أداة لحماية مصالح وأعمال التكتلات الثقافية الاحتكارية وضد تنمية التنوع الثقافي.

 

المهمة الثانية أمام المنظمة والشبكات والأفرع التابعة لها أن تحدد الداعمين المحتملين لتنمية التنوع الثقافي والمؤيدين لهذا التوجه عالميا ومحليا وكيفية الوصول إليهم ، وهو ما يقود بدوره إلى المهمة الثالثة وهي الحجج التي يجب أن نسوقها لجعل الحكومات الوطنية تقوم بضبط الأسواق الثقافية وتنظيمها لصالح تنمية التنوع الثقافي .

 

والمهمة الرابعة هي صوغ القوانين والنظم الكفيلة بحماية وتنمية التنوع بحيث يؤدي إلى زيادة الاختيارات أمام الناس ، وليس حرمانهم من تعبيرات فنية بعينها ، كما يجب التفكير الجاد في وسائل جديدة تزيد من قدرة الدول غير الغربية على إنتاج مواد ثقافية قد لا تستطيع تحمل تكلفتها الاقتصادية ، وأن يكون انتقال المواد الثقافية بين الدول بشكل متبادل بين مختلف الأطراف ، وبحث إمكانية أن تفتح الدول الغنية أسواقها الثقافية أمام منتجات الدول الفقيرة .

 

بعد ذلك تأتي المهمة الخامسة وهي اتخاذ القرارات الاستراتيجية التي سيكون من بينها تحديد الهدف الرئيس من كل هذه الأنشطة ، لابد من أن يكون السعي الدائم لإقناع الحكومات الوطنية باتخاذ إجراءات تضمن تطور الثقافات الفنية وتنوعها ، وذلك بأن تكف مثلا عن ممارسة الرقابة ، كما لابد من أن تكون اليونسكو منظمة قوية لكي لا تنفرد التجارة بالساحة ، وهذا لن يتحقق إلا بدعمها من كل الحركات العالمية التي تدافع عن قضية التنوع الثقافي وتتصدى لممارسات منظمة التجارة العالمية ، وفي الوقت نفسه لابد من رفض أساليب التكتلات الثقافية الاحتكارية للسيطرة على الأسواق وإهمال التنوع الموجود في كل المجتمعات ، كما أن هناك قضايا أخرى كثيرة مثل التفكير في كيفية أن يصبح استخدام المجال الرقمي لتوزيع التنوع الثقافي بمنأى عن سيطرة الصناعات الثقافية الكبرى.

 

المهمة السادسة هي تحليل المعوقات التي تحول دون ذلك وهي تختلف بلاشك من دولة لأخرى.

 

والمهمة السابعة هي عقد التحالفات مع المنظمات والهيئات الأخرى مثل حركات البيئة واتحادات العمل والمنظمات والنقابات على اختلافها ، كما يمكن التعاون والتحالف مع مجموعة الدول المناهضة لتوجهات منظمة التجارة العالمية وكل من له مصلحة في الاستقلال الثقافي .

 

المهمة الثامنـة هي الانتشـار والقيـام بحملة واسـعة وجـذب الاهتمام العـام ،

وإدارة هذه الحملة على المستويين المحلي والعالمي.

 

أما المهمة التاسعة والأخيرة فهي المراقبة والرصد على جميع الأصعدة والمستويات لخدمة كل فنون العالم ، هذه هي صرخة جووست سمايرز في هذا الكتاب المهم الذي يجيء في وقت أصبح فيه العالم أكثر تقبلا لفكرة وجود ثقافة واحدة مسيطرة ، وهي ثقافة الأقوى في القرية الكونية الواحدة ، في ظل تزايد نفوذ بعض المؤسسات والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ونادي روما ومنتدى ديفوس وغيرها. ([21])

 

جهود اليونسكو : يأتي التزام اليونسكو بالتنوع الثقافي في صلب المهمة المحددة المسندة إليها داخل الأمم المتحدة وفي سياق استمرار النشاط الذي تنهض به منذ نحو ستين عاما بهدف "تأمين استقلال الثقافات ... وسلامتها وتنوّعها المثمر" والتوصية " لهذا الغرض بعقد الاتفاقات الدولية التي تراها مفيدة لتسهيل حرية تداول الأفكار عن طريق الكلمة والصورة" ( الميثاق التأسيسي لليونسكو ).

 

وقد أدى تسارع عملية العولمة إلى بروز تحديات جديدة فيما يتعلق بالتنوع الثقافي قررت الدول الأعضاء مواجهتها على صعيد تقنيني باعتماد (إعلان اليونسكو بشأن التنوع الثقافي) وخطة عمله في عام 2001. وهذه الوثيقة التي تربط الدول الأعضاء بالتزام أخلاقي ، تعترف لأول مرة بالتنوع الثقافي باعتباره "تراثا مشتركا للإنسانية". كما أنها تلزم اليونسكو بـ "مواصلة نشاطها التقنيني في مجال التوعية وبناء القدرات في المجالات ذات الصلة بهذا الإعلان والداخلة في نطاق اختصاصها" (المادة 12 (جـ) من الإعلان).

 

كما أن السطر الأول الأساس في خطة العمل يدعو المنظمة إلى "مواصلة التفكير في إمكانية إعداد وثيقة قانونية دولية بشأن التنوع الثقافي"، ومنذ أن اعتمد إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي تعددت المبادرات الدولية التي تستهدف شحذ التفكير في تعزيز النشاط التقنيني الخاص بالتنوع الثقافي.

 

وفي هذا السياق، أعربت الدول لأعضاء عن رغبتها في إعداد وثيقة تقنينية ملزمة بشأن التنوع الثقافي ، ولا سيما في أحد المجالات التي حددها المدير العام في دراسته الأولية بشأن الجوانب التقنية والقانونية لمدى ملاءمة إعداد وثيقة تقنينية عن التنوع الثقافي وكانت الخيارات الأربعة المقترحة هي التالية :

( أ ) صك جديد شامل بشأن الحقوق الثقافية .

(ب) صك بشأن أوضاع الفنان .

(ج) بروتوكول جديد يلحق باتفاق فلورنسا .

(د ) صك جديد بشأن حماية تنوع المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني .

 

المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثانية والثلاثين (تشرين الأول/أكتوبر 2003) اعتمد بتوافق الآراء القرار 32م/34 الذي يدعو المدير العام إلى أن يقدم إليه في دورته الثالثة والثلاثين ، في عام 2005 ، تقريرا أوليا مشفوعا بمشروع أولي لاتفاقية تخص الخيار الرابع ، أي حماية تنوع المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني ، وتُعد وفقا لأحكام النظام الخاص بالتوصيات الموجهة إلى الدول الأعضاء وبالاتفاقيات الدولية ([22]).

 

وفقا لهذا القرار وللقواعد المعمول بها في اليونسكو في مجال إعداد الوثائق التقنينية ، اعتمد المدير العام نهجا يقوم على مراحل ويستند إلى الخبرة المكتسبة لدى إعداد وثائـق تقنينية أخرى تتعلق بحمايـة التـراث الثقافي ، فكـلف ـ فـي مرحلـة أولى ـ خمسة عشر خبيرا مسـتقلا بأن يوافوه بتوصيات وبآراء قانونيـة بشـأن إعداد مشروع أولي لاتفاقية لحماية تنوع المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني ، وفي مرحلة ثانية دعا المجلس التنفيذي المدير العام إلى عقد اجتماعات لخبراء حكوميين لمواصلة إعداد المشروع الأولي للاتفاقية من أجل تقديم تقرير إلى المؤتمر العام في دورتـه الثالثـة والثلاثيـن ، فـي عام 2005 .

 

وتمثل الاجتماعـات الدولية الحكومية المرحلة الثانية من عملية إعداد المشروع الأولي للاتفاقية ، وعقـدت الـدورة الأولى من هذه الاجتماعات في مقر اليونسكو في الفترة من 20 إلى 24 أيلول / سبتمبر 2004 ، أما الدورة الثانية فقد عقدت في الفترة من 31 كانون الثاني / يناير إلى 11 شباط / فبراير2005 وأوصت بتنظيم دورة ثالثة يمكن أن تعقد في نهاية شهر أيار/مايو ، إذا ما أذن المجلس التنفيـذي في دورتـه الحادية والسبعين بعد المائة (18 ـ 28 نيسان / أبريل 2005) للمدير العام بالدعوة إلى عقدها ، ويبين هذا التقرير المراحل التي تم تخطيها منذ بداية العملية في تشرين الأول / أكتوبر 2003 وحتى اختتام أعمال الدورة الثانية للاجتماع الدولي الحكومي للخبراء.

 

أولا ـ اجتماعـات الخبـراء المستقلين : بـدأ المديـر العـام ـ عمـلا بالمهمـة التـي أوكلـت إليـه ـ المرحـلة الأولى من إعـداد المشـروع الأولي للاتفاقيـة باسـتهلال عملية تأمل أولية في أهداف الاتفاقية المقبلة والتحديات التي تطرحها ، وفي السبل الممكنة لتحقيق هذه الأهداف ، وفي أوجه التصدي للتحديات المطروحة ، ووفقا للممارسة المتبعة في المنظمة ، أنشأ المدير العام فريقا دوليا متعدد التخصصات مؤلفا من خمسة عشر خبيرا مستقلا ، وكلفه بأن يوافيه باقتراحاته وآرائه بشأن إعداد المشروع الأولي للاتفاقية ، وبعد ثلاثة اجتماعات جرت في الفترة بين كانون الأول / ديسمبر 2003 وأيار / مايو 2004 ، تم تقديم مشروع أولي لهذه الاتفاقية.

 

وتنفيذا لهذه المهمـة ، قرر الخبراء المستقلون ـ بـادئ ذي بدء ـ العمـل على ترسيخ مكتسبات الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي (2001) السابق الذكر ، ووضعوا نصب أعينهم هدفا ذا أولوية يتمثل في إعداد مشروع أولي لاتفاقية تعزّز قدرات الدول الأعضاء على رسم سياسات ثقافية تهدف إلى حماية وتعزيز المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني ، ومن هذا المنظور جرى تصور مجال تطبيق الاتفاقية (أو نطاقها) ورأى الخبراء أن من الضروري احترام المهمة التي كُلف بها المدير العام ، أي الالتزام بالخيار المعتمد في المؤتمر العام (حماية تنوع المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني) بيد أنهم فضلوا عبارة "حماية تنوع المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني) على عبارة "حماية وتعزيز تنوع المضامين الثقافية وأشكال التعبير الفني" وشدد الفريق مع ذلك على أن هذه الصيغة لا تتضمن تضييقا ولا توسيعا لنطاق الصك المقبـل ، إذ أن عبـارة "أشكال التعبير الثقافي" تشمـل "المضامين الثقافية" و "أشكال التعبير الفني" في آن معا.

 

أكد الخبراء منذ البداية على أن كلمة"الحماية" ينبغي ألا تفهم على الإطـلاق بمعنى الانطواء أو الانغـلاق من جانب الدول الأطـراف ، بل ينبغي ـ على العكـس مـن ذلك ـ أن يكون تنوع أشكال التعبير الثقافـي مكفولا على الـدوام بحرية التعبير وإتاحة إمكانية انتفاع الجمهور بأكبر قدر من التنوع ، وبذلك اتفق جميع الخبراء على ضرورة فهم الحماية بمعناها الإيجابي أي أنه لا ينبغي الاكتفاء بصون أشكال التعبير الثقافي ، بل ينبغي أيضا تهيئة الظروف اللازمة لتطور وازدهار أشكال التعبير هذه.

 

واستنادا إلى هذه الأسس ، أعد  الخبراء مجموعة من الأهداف والمبادئ التي ينبغي أن توجـه نشـاط الدول ، ورغبوا في أن تتضمن الأهداف ـ بوجـه خـاص ـ ما يلي : حماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي ، والاعتراف بالطبيعة الخاصة للسلع والخدمات الثقافية ، وصون حق الدول الأطراف في رسم واعتماد سياسات ثقافية وتدابير ملائمة لحماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي ، وتوطيد التعاون والتضامن الدولي من أجل تحسين قدرات البلدان النامية على تعزيز وإثراء تنوع أشكال التعبير الثقافي بين جميع بلدان العالم .

 

أما بالنسبة للمبادئ ، فقد أعرب الخبراء عن أملهم في أن توفـر المبـادئ للدول قواعـد سلوكية صالحـة لكـل الأوضـاع التي تنـص عليها الاتفاقية ، وبذلك تم اقتراح قائمة تضم تسعة مبادئ.

 

أتاحت هذه المراحل للخبراء تحديد مجموعة من المفاهيم الأساسية التي ينبغي أن يصاغ لها تعريف في إطار الاتفاقية ، واتفق الخبراء على أنه ينبغي ألا يجري تناول تعبيري "الثقافة" و "التنوع الثقافي" من خلال مجمل معانيهما ومظاهرهما ، وإنما من خلال علاقاتهما بـ "أشكال التعبير الثقافي" التي تنطوي عليها "السلع والخدمات الثقافية" بوجه خاص .

 

وعلى الرغم من أن بعض الخبراء كانوا قد لفتوا الانتباه إلى أن مفهوم "السلع والخدمات الثقافية" قد يذكّر بالمصطلحات المستخدمة في الاتفاقات المعنية بالتجارة الدولية ، فقد رأوا أن التعريف المقترح يركز على المدلول الثقافي لهذا المفهوم ، مبتعدا بذلك عن المعنى التجاري البحت ، ومفضيا إلى الاعتراف بالطبيعة الثنائية لهذه السلع والخدمات.

 

فيما يتعلق بحقوق الدول الأطراف والتزاماتها الخاصة بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي ، أكد الخبراء على أهمية الحفاظ على التوازن بين الحق السيادي للدول في اعتماد تدابير لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي على أراضيها ، والتزامها بحماية وتعزيز هذا التنوع على الصعيد الدولي ، وقد أشير إلى مفهوم التوازن هذا في حكم محدد من أحكام الاتفاقية خُصص للقواعد العامة المتعلقة بحقوق الدول الأطراف والتزاماتها .

 

واتفق الخبراء بعد ذلك على مجموعة من الأحكام التي أُقّر معظمها بتوافق الآراء ، وتم الاعتراف بأن فعالية ومصداقية الاتفاقية المقبلة مرهونتان بطبيعة الالتزام وبدرجة الإلزام بالنسبة للدول الأطراف ، وجرى التذكير في هذا الصدد بأن مهمة فريق الخبراء هي صياغة مشروع اتفاقية ، وبالتالي ، فإنه لابد من استخدام مصطلحات تعبر بشيء من القوة عن التزامات الدول في إطار هذه الاتفاقية ، وإلا فإن النص سوف يتحول إلى مجموعة من المبادئ تُعد مـن حيث الأثر ـ بمثابة إعلان لا أكثر، وقد قُسمت الأحكام الخاصة بالحقوق والالتزامات إلى فئتين، هما: "الحقوق والالتزامات على الصعيد الوطني" و "الحقوق والالتزامات المتعلقة بالتعاون الدولي".

 

وعلى الصعيد الوطني حدد الخبراء بصورة خاصة التزاما للدول الأطراف يتمثل في حماية أشكال التعبير الثقافي المعرضة للخطر ، فذكّروا بأن بعض أشكال التعبير الثقافي تحتل مكانة مهمة في المبادلات العالمية بينما تجد غيرها صعوبة في الوجود أو في الظهور ، وإذ أكدوا على ما تتسم به الأسواق من أوجه القوة فإنهم أكدوا أيضا على أوجه الضعف ، التي تبين أن بعض التدخلات ، في ظروف التعرض للخطر، قد تبدو ضرورية لصون تنوع أشكال التعبير الثقافي.

وعلى الصعيد الدولي، أولى الخبراء أهمية بالغة لموضوع التعاون الدولي ، الذي من شأنه أن يفيد البلدان النامية بوجه خاص، وأن يمثل محور الاتفاقية المقبلة ورأوا أن محور التحدي في مجال التعاون الدولي ينبغي أن يتمثل في تأمين انتفاع جميع البلدان بتنوع أشكال التعبير الثقافي ، القريب منها والبعيد ، وفي دعم البلدان النامية لكي تمتلك الصناعات الثقافية القادرة على تلبية الطلبات الداخلية والدولية على السلع والخدمات الثقافية .

 

ولكي لا تضمحل آليات التعاون في مجمل القسم المخصص لحقوق الدول والتزاماتها ، جمع الخبراء الأحكام ذات الصلة في قسم فرعي مخصص بأكمله للتعاون الدولي ، كما جرى بحث مسألة إنشاء مرصد للتنوع الثقافي يكلف بجمع البيانات عن هذا المجال وتحليلها ونشرها ، وتكوين مصرف للبيانات ييسر([23]) قيام شراكات نشيطة بين جميع الشركاء المحتملين.

 

ورأي الخبراء أيضا أن نجاح الاتفاقية المقبلة يعتمد اعتمادا كبيرا على آليات المتابعة، وقد تم الاستناد في اختيار هذه الآليات إلى معايير الفعالية والضرورة وإلى الحرص على تفادي اختيار بنية قد تؤدي إلى إثقال الإجراءات والمهام الإدارية على نحو غير مبرر ، وإلى ارتفاع التكاليف ، كما رأي عدة خبراء أن وضع آلية لحل الخلافات هو أمر جوهري لضمان فعالية هذا الصك ، وأعربوا عن أملهم في أن تزوّد الاتفاقية بهذه الآلية كي يتم حل الخلافات من منظور ثقافي بحت ، وذكّر الخبراء بأن هذه الآلية ليست إلا تدبيرا احتياطيا مفيدا يمكن أن تلجأ إليه الدول عند الحاجة ، نظرا لأن الاتفاقية نفسها لا تنص على أية عقوبات.

على أيـة حال فإن الخبـراء كانـوا ـ خـلال أعمالهم ـ منشغلين دائما بموضوع الاتفاقات الدولية الأخرى التي من شأنها أن تتفاعل مع الاتفاقية المقبلة ، وبالتالي فإن مسألة علاقة الاتفاقية بالصكوك القانونية الأخرى أفضت إلى وضع صياغتين مختلفتين في هذا الصدد.

 

إن العمل الدءوب الذي قام به الخبراء طيلة الأشهر الستة والمناخ الممتاز الذي ساد أعمالهم قـد أتاحـا ـ في إطار احترام صلاحيـات المؤتمـر العـام ومع تحقيق التكامـل بيـن نهوجهـم المختلفـة ـ إعـداد نص مفصـل مـن شـأنه تمهيـد الطريق قـدر الإمكان أمام المناقشات الدولية الحكومية المقبلة ، وقد استعرض الخبراء بصورة معمقة مجموعة واسعة من القضايا والمعضلات ، بحيث جاء المشروع الأولى مرآة للشواغل المختلفة ، وبرهانا على تكامل المجالين الاقتصادي والثقافي .

 

وتمخضت أعمالهم عن وثيقة تستلهم الانفتاح وترمي إلى تأمين بيئة مؤاتية للتنوع الثقافي والحوار ، ولقيام تعاون دولي متجدد.

 

ثانيا ـ الاجتماعات الإعلامية للمدير العام مع الوفود الدائمة : خـلال الأعمال التي اضطلع بها الخبراء المستقلون ، قرر المدير العام ، حرصا منه على موافاة الدول الأعضاء والمنظمات الحكومية وغير الحكومية بمعلومات تتسم بأكبر قدر ممكن من الوضوح والشمول أن ينشر تقارير الاجتماعات الثلاثة للخبراء ([24]) على نطاق واسع وبصورة منتظمة ، وأن يصدر باستمرار بيانات صحفية للإبلاغ مباشرة عن الأعمال التي تجري في اليونسكو ، وقد سمح هذا النشاط الإعلامي المنتظم للدول الأعضاء الراغبـة في ذلك بأن تشكل قاعدة مؤاتية للتشـاور والتدارس

بين مختلف الأطراف المشاركة في هذا المشروع.

 

واجتمعت الوفود الدائمة للدول الأعضاء ثلاث مرات : في22 كانون الثاني / يناير،  7 نيسان / أبريل. و 21 حزيران /  يونيو 2004، كما قُدمت معلومات بهذا الصدد إلى المجلس التنفيذي في مختلف دوراته.

 

ثالثا : المشاورات مع منظمة التجارة العالمية : والمنظمة العالمية للملكية الفكرية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ، ففي أعقاب الاجتماعات الثلاثة للخبراء المستقلين ، وطبقا للقرار 32م/ 34 الذي دعا المديرَ العامَّ إلى إجراء مشاورات مع منظمة التجارة العالمية (OMC) ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (CNUCED) والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (OMPI) عُقدت في جنيف اجتماعات مع أمانتي المنظمتين في يومي 16 و17 حزيران / يونيو 2004.

 

كما شاركت اليونسكو ، بناء على دعوة من المدير العام ومنظمة التجارة العالمية ، في مشاورة غير رسمية مع مندوبي أعضاء هذه المنظمة ، عقدت في جنيف ، في 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2004 ، وأحيل ملخص وجهات النظر التي أعرب عنها في هذه المشورة إلى المدير العام لليونسكو، وأتيح للدول الأعضاء أن تطّلع عليه.

 

والآن بعد أن اقتبسنا جزيئا ـ تصغير جـزء ـ من تقرير الأمين العام لليونسكو نكتب بُعيض الملاحظ على ما سبق :

1-  إن النص الأولى لمشروع الاتفاقية قد استغرق مشاورات معمقة دءوب استمر على مدى خمس سنوات منذ 2000 إلى 2005 وهو جهد اتكأ على جهود سابقة نظيرة لهذا الجهد الأخير مطلع الألفية الثالثة ، هذي الجهود كلها شارك فيها مئات الخبراء وممثلي الحكومات والمنظمات غير الحكومية ، لا عشوائية فيه ، ولا تعجل ، بل تم في تؤدة ، لا نظير لها ـ ربما ـ ولا مثيل.

2-  هذي المشاورات المتعمقة المتئدة الوئيدة شملت حتى منظمة التجارة العالمية والمنظمة العالمية للملكية الفردية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

 

ووصلت درجة الانفتاح لدى معدي الاتفاقية أن سمح للدول غير الأعضاء في لجنة الصياغة بالحضور في اجتماعات اللجنة كمراقبين ، ما يتيح لهاتيك الدول أن تكون على علم بما تصل إليه الصياغة لتعترض أو تكتب ما تراه من ملاحيظ على مشروع الاتفاقية.

 

3-   تشكلت لجنة الصياغة من 24 عضوا ، انقسموا إلى خمس مجموعات :

-    الأولى : (سويسرا وفرنسا وفنلندا والولايات المتحدة).

-    الثانية : (روسيا الاتحادية وأرمينيا وكرواتيا والمجر).

-    الثالثة : (الإكوادور والبرازيل ، وباربادوس ([25]) وكوستاريكا ([26]).

-    الرابعة : كوريا والصين والهند واليابان.

-    الخامسة : وتنقسم إلى قسمين :

أ ـ بنين والسنغال ومدغشقر ونيجيريا.

ب ـ الإمارات والجزائر والسعودية ولبنان.

 

هذي المجموعات حسب مناطق العلم ، فالأولى تمثل الغرب 3 دول أوربية + الولايات المتحدة ، المجموعة الثانية تمثل أوربة الشرقية (الشيوعية) سابقا ، سيما جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ، حيث مثلته جمهوريتا روسيا وأرمينيا = ½ المجموعة ، أما الثالثة فتمثل آسيا ، خاصة في أقصى الشرق والجنوب ، المجوعة الرابعة هي ممثلة لأمريكا اللاتينية ، الخامسة تشير إلى إفريقية في ( أ ) ، وفي ذيل القائمة 4 دول عربية.

 

إن هذا يعكس تصور الغرب في ترتيب المجموعات الثقافية يبدأ بالغرب ، وينتهي بإفريقية ، ويختم بالعرب ، فما رأي العرب ؟ أهو مسك في الختام ، أم ذيل في القائمة ؟؟

 

ومعنى هذا كله أن الولايات المتحدة كانت حاضرة شاهدة على كل مراحل إعداد مشروع الاتفاقية ، بل كانت عضوا في لجنة الصياغة ، لم يك أمرا بيت بليل أو عمى عليها في أية مرحلة من مراحل المشروع ، لنا عود إلى هذي النقيطة في مكانه فيما بعد.

 

 

 

 

 

 

 

 

إعــلان الاتفاقية

 

صـدر عـن اليونسـكـو البيـان الصحافـي 128/2005 فـي مقـرها الباريسـي21/10/2005 يفيد بأن المؤتمر العام ، باريس3 ـ 21 أكتوبـر2005 أقر الاتفاقية بأغلبية 148 صوتـا ، واعتـراض صوتين ، من همـا ؟ همـا الثنائـي ـ اللطيـف جـدا ـ الولايات المتحدة وإسرائيل ، 4 دول فقط امتنعت عن التصويت هي : (أستراليا) شيء طبيعي جدا ، ثم (ليبريا ـ هندوراس ([27]) ـ كوستاريكا).

 

وقد كنت أتصور اليونسكو في هذه الحالة قد أنصفت الشعب العربي المظلوم في فلسطين، أو لبنان أو العراق الدامي، أو وقفت مع الشعب المقهور في أفغانستان أو ربما أقرت المنظمة الدولية بحق الشعب المحاصر في غزة هاشم ، أو ربما أقرت المنظمة الدولية بحق الشعوب الأصلية في العالم الجديد ، وفي كل ما سبق على الولايات المتحدة أن تقف بكل صقورها ، حتى تجاحش عن نفسها ومصالحها وحلفائها ، لكنها مجرد اتفاقية ، أو مشروع اتفاقية لحماية التنوع الثقافي ، حتى هذه الاتفاقية ، حتى مجرد مشروع مقترح صوتت ضده الولايات المتحدة ، يا إلهي يا مثبت العقل والدين ، ثبت عقولنا ، وثبت لنا الدين والإيمان ، فما هي اعتراضات الولايات المتحدة ؟ كثيرة هي ، عديدة هيه ، عدد شعر الأسد الهصور :

1-    تخشى أن تقيد الاتفاقية التجارة الحرة ، وتدفق الأفكار.

2-    إن اليونسكو لا تتمتع بسلطة تتيح لها ضمان تنفيذ الاتفاقية.

3-    سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونسكو أدلت بدلوها مشيرة إلى عدة اعتراضات:

أ ـ مشـروع الاتفاقيـة تشوبه عيوب ، ومـن ثم فـإن مسـئولي دولتها على استعداد لبحث تعديلات من شأنها أن توضح حالات الغموض التي قد تفضي إلى إساءة الحكومات استعمال الاتفاقية.

ب ـ سـعـادة السـفيرة أعربـت عــن شـعور دولتـها بالإحبـاط لعـدم اسـتعداد الـدول الأخرى التفاوض على وثيقـة تحظى باتفاق وإجمـاع أكبر ، وشـرحت دواعـي

القلق لدى حكومتها حول العيوب التي تسود المسودة الحالية.

 

إن السفيرة ترى أن الولايات المتحدة من أكثر بلدان العالم من حيث التنوع الثقافي ، ونظرا (لأننا نعتز بهذا التنوع ، ونحتفي به ، وندعو إليه ، فقد كنا نتطلع إلى المشاركة بصورة بناءة في عملية تتميز بعقل متفتح تفضي إلى التوصل إلى إجماع حقيقي حول أداة أو وسيلة تشجع ، وتدعو إلى التنوع الثقافي ، نكون قادرين على تقبلها بفخر واعتزاز ، إن تلك العملية المنفتحة لما تتوفر ، فهذه المسودة ليست الأداة المطلوبة).

 

جـ ـ إن الولايات المتحدة لا يمكن أن تدعـم مشروع الاتفاقية بسبب الالتباس الذي يتسم به ، ما قد يؤدي إلى استخدام المعاهدة للحد من التبادل الثقافي والحرية الفردية.

د ـ لفتت السفيرة إلى عيبين رئيسين في مشروع المعاهدة ، وهما :

- الأول : الغموض الموجود في النص ، قد يساء استخدامه من قبل حكومة ما كمبرر لتبني سياسات وإجراءات تحمي ثقافة الأغلبية ، وتروج لها على أراضيها على حساب ثقافات الأقليات.

وأردفت : إن الولايات المتحدة منزعجة بشكل خاص من البنود التي يبدو أنها تتيح مجالا لا مبرر له لتدخل الحكومات في حرية التعبير والمعلومات والاتصال ، وكذلك في قدرة الأفراد على تبني التعبيرات الثقافية التي يختارونها.

- الثاني : إن افتقار أحد البنود إلى الوضوح يمكن استغلاله من قبل الحكومات لإقامة الحواجز التجارية باسم التنوع الثقافي ، فإن مصطلح التعبيرات الثقافية لم يتم تعريفه بوضوح ، ولذا سيظل معرضا لسوء الفهم والتفسير الخاطئ على نطاق واسع .. إن اتباع سياسة الحماية هذه لن يؤدي فقط إلى التبادل الحر للأفكار فحسب ، لكنه أيضا يمكن أن يضر بنظام التجارة في العالم.

هـ ـ إن باب المفاوضات التي كان يمكن أن يؤدي إلى إجماع على الاتفاقية أغلق في وجه المخاوف الأمريكية ـ المعقولة والمشروعة ـ والتي لا تهدأ.

وـ إن الأفكار الأساسية في هذي الاتفاقية قد تم الاتفاق عليها قبل أن تعاود الولايات المتحدة الانضمام إلى اليونسكو ـ عام 2003 ـ بوقت كاف ([28]).

 

4-  وبطبيعة الحال لم يك هذا رأي السفيرة وحدها ، بل أيضا فريق التفاوض معها الذين رأوا أيضا أن : (مشروع الاتفاقية يغص بعيوب كثيرة ، ولا يتوافق مع واجب اليونسكو الدستوري لتشجيع التدفق الحر للأفكار عن طريق الكلمة والصورة).

 

وهنا أفضنا كثيرا في تفصيل و (تفصيص) موقف الأمريكان الذي يبدو في كل المواقف مناوئا للاتفاق والوفاق ومعاكسا لمصالح الشعوب ورغباتها وتوجهاتها ليس فقط في قضايا فلسطين والعروبة والإسلام ، لكن أيضا في كل قضايا الإنسان في همومه وشجونه ، الإنسان أي إنسان ، في هذي الحياة ، أية حياة ؟!.

نترك الولايات المتحدة واعتراضاتها المعترضة على الاتفاقية لنشير باختصار إلى أهم ما تضمنته ، وإن كان هذا لا يغني عن وضع النص كاملا بين يدي القارئ وأمام ناظريه ، وهو ما يكون في ملحق هاتيك الدراسة :

 

تهدف الاتفاقية إلى إعادة توكيد الصلات القائمة بين الثقافة والتنمية والحوار، وتهدف أيضا إلى إنشاء قاعدة مبتكرة للتعاون الثقافي الدولي، ومن ناحية أخرى فهي توكد ثانية الحق المطلق للدول في تطوير سياسات ثقافية ترمي إلى حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي ، وإيجاد الظروف التي تتيح للثقافات النمو والازدهار والتفاعل بحرية ، بحيث يثري بعضها البعض من جهة ثانية (المادة الأولى).

 

على أن سلسلة من المبادئ (المادة الثانية) اعتمدت لضمان أن أي إجراء موجه لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي لا يقف عقبة أمام احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ، كحرية التعبير والإعلام والاتصال ، فضلا عن حرية الأفراد في اختياراتهم ، كما أن مبدأ الانفتاح والتوازن ينص على أنه لدى اعتماد الدول إجراءات هادفة إلى تعزيز تنوع التعبير الثقافي فعليها أن تحرص على تشجيع الانفتاح على سائر ثقافات العالم بالشكل المناسب.

 

تشمل حقوق وواجبات الدول الأطراف ( المواد من الخامسة إلى الحادية عشرة) سلسلة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى حماية وتشجيع تنوع أشكال التعبير الثقافي ، سيما مسألة الإبداع مع كل الانعكاسات التي تنطوي عليها في سياق العولمة ، حيث تنتشر أشكال التعبير المختلفة لدى الجميع عن طريق المنتجات والخدمات الثقافية ، من هذا المنطلق تعترف الدول الأطراف بالدور الجوهري للمجتمع المدني ؛ ومن ثم تسعى إلى إيجاد بيئة ملائمة تشجع الأفراد والمجموعات داخل المجتمعات على إبداع وإنتاج وبث وتوزيع أشكال التعبير الثقافي الخاص بها ، والانتفاع بها... والاعتراف بأهمية إسهام الفنانين وجميع المعنيين بالمسيرة الإبداعية والمجتمعات الثقافية والمنظمات التي تدعمها في عملها ، والاعتراف كذلك بدورها المركزي المتمثل في تغذية تنوع أشكال التعبير الثقافي.

 

تجدر الإشارة إلى أن تشجيع التعاون الدولي في الدول النامية هو في صلب الاتفاقية (المواد من 12 إلى 19) ومن المتوقع في هذا السياق إنشاء صندوق دولي من أجل التنوع الثقافي (المادة 18) تأتي موارده من طريق الإسهامات الطوعية للدول الأطراف في الاتفاقية والأموال التي يخصصها مؤتمر عام اليونسكو ، أو الهبات أو الإرث ، والفوائد التي تدرها موارد الصندوق ، وناتج التبرعات وعائدات الأنشطة التي تنظم لصالح الصندوق ، وأية موارد أخرى يسمح بها نظام الصندوق.

 

وحرصا على تأمين الانسجام بين هذي الاتفاقية وبين سائر الصكوك الدولية القائمة كان اعتماد (المادة 20) التي تروم ضمان علاقة دعم متبادل وتكامل غير قائمة على التبعية بين مختلف الوثائق ، وفي الوقت عينه فإنه لا شيء في الاتفاقية الراهنة يمكن اعتباره مناقضا لحقوق وواجبات الدول الأطراف في التوقيع على اتفاقيات أخرى والالتزام بها.

 

وتقوم الاتفاقية بإرساء سلسلة من آليات المتابعة الهادفة إلى تأمين تنفيذ فعـال للوثيقـة الجديـدة ، ومـن بينـها آلية ـ غير ملزمة ـ في ملحـق الاتفاقيـة لتسـوية الخلافات تتيح من زاوية ثقافية بحتة تناول مسألة الخلافات المحتملة في وجهات النظر بشأن تفسير أو تطبيق قواعد الاتفاقية .

 

وتحـث هذى الآليـة على التفاوض أولا ، ثم اللجوء إلى الوسـاطة والمساعي

الحميدة ثم لجان التوفيق ، أو إجراء  المصالحة ، ولا تنص الاتفاقية على أية عقوبات.

 

وأخيرا يذكر البيان الصحافي عن الاتفاقية بأن ميثاق تأسيس اليونسكو يفوض المنظمة باحترام التنوع الخصب للثقافات وتسهيل الانتقال الحر للأفكار من خلال الكلمة والصورة من جانب آخر وفي ذات الوقت ، وهما مبدآن تم إعادة توكيدهما في ديباجة الاتفاقية ، اليونسكو لم تدخر وسعا ولا جهدا للإيفاء بهذه المهمة المزدوجة.

 

وبهاتيك الاتفاقية تدعم اليونسكو نشاطها المحايد والرامي إلى الدفاع عن التنوع الثقافي بكل تجلياته ، وبخاصة ركنا الثقافة التراث، والإبداع المعاصر ، انتهى البيان الصحافي لليونسكو ، والذي قبسنا منه هذا الاستعراض للاتفاقية ليكون لدى القارئ فكرة عنها ، أو عن أهم بنودها.

 

والآن ننتقل إلى رأي المؤيدين للاتفاقية ، نبدأ بدولة المقر ، مقر اليونسكو في الحاضرة باريس، هذا هو رأي فرنسا : أتصور أن فرنسا كانت اللاعب الرئيس ، والداعم الأقوى ، والداعي الأول لهذي الاتفاقية ، ولذا أيدتها على الفور ، بل رأت فيها سلاحا فعالا لمكافحة ما يعتبره كثير من الفرنسيين خطر الهيمنة الثقافية الأمريكية وهيمنة سينما هوليود.

 

قال الرئيس الفرنسي السابق ـ جـاك شـيراك ـ في بيـان مكتـوب : هـذا تطـور مهم في عالم يجب أن يحمي التنوع الثقافي ، وينظم حوارا بين الثقافات يحترم الجميع.

 

وعنـدما اعتـرض الأمريكـان على الاتفاقيـة لأن من شـأنها منع بعض الـدول

لأفلام هوليود ، رد وزير الثقافة الفرنسي على الفور : (هذا بالضبط المطلوب) فما معنى أن يكون 85 % من تذاكر السينما في العالم هي لدخول أفلام هوليود ، في حين أن هناك أشكالا أخرى من التعبير السينمائي في العالم ـ ربما تكون أجود ـ لكنها للأسف لا تحظى بالأموال الطائلة لشركات هوليود وقدراتها التوزيعية الهائلة ، إن هذي محاولة من المجتمع الدولي لمجابهة المد الثقافي الأمريكي الذي يحاول أن يدهس في طريقه كل الأشكال الثقافية الأخرى تحت مظلة العولمة المدعاة.

 

وهذا ما يخدم صناعة السينما المصرية العريقة والمواد والمسلسلات المسموعة والمرئية ، وكذا السينما الإيرانية الصاعدة التي قدمت أعمالا تاريخية واجتماعية متميزة (مريم المقدسة ـ ابن سينا...) مثلا ، ليس في مصر وإيران فقط ، بل في عديد من الأقطار والبلدان ، عربية أو غير عربية ، ولذا فإن من الغريب أن الإعلام العربي مقروءه أو مرئيه أو مسموعه لم نسمع فيه عن الاتفاقية شيئا ، إلى الآن ، على حد علمي.

 

وبعد موقف فرنسا نشير إلى رأي بعض المثقفين العرب ، منهم :

1-  الكاتبة المصرية سها بيومي : التي تتحفظ بشدة على المنظمات الدولية ، وعلى القانون الدولي والشرعية الدولية وإن كان من الوارد الإفادة من بعض هذي المنظمات في تحقيق شيء من الانتصارات المحدودة ، أو على الأقل إظهار شكل من أشكال المقاومة ضد ما تسميه اللانظام الدولي.

 

الولايات المتحدة هي القوة العظمى التي تفرد عضلاتها ، داخل مجلس الأمن ـ وخارجه بالطبع ـ إلا أن الحـال ليس كـذلك فـي المنظمـات الأخـرى للأمـم المتحـدة ، خاصة تلك المعنية بالقضايا الثقافية والاجتماعية وحقوق الإنسـان ، وأخيـرا ـ وليس آخرا ـ في قضايا التجارة الدولية ، ومن ذاك :

أ- خروج هذا البلد الكبير من اليونسكو عشرين عاما ـ1984/2003ـ فلماذا عادت؟

ب- إدانـة الولايات المتحـدة ـ وعدم تجديد عضويتـها في لجنة الأمم المتحـدة لحقـوق الإنسان في أبريل 2001.

ج- انسـحاب الولايـات وعشيقتـها إسـرائيل المقدسـة ـ أمريكيـا وغربيـا ـ من مؤتمـر (ديربان) في جنوب إفريقية المناهض للعنصرية بسبب إجماع الدول المشاركة على إدانة الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية ، وهو وصف لطيف خفيف للمشروع الصهيوني الغربي المغروس في قلب الوطن العربي.

 

سها بيومي تعتبر الاتفاقية انتصارا جديدا في مواجهة الإمبريالية الأمريكية الثقافية ، كما تستعرض الاتفاقية في كليمات ، هن :

 

توكد هذي الاتفاقية ـ الملزمة قانونا ـ أن التنوع الثقافي سمة مميزة للبشرية هذا التنوع يشكل تراثا مشتركا للبشرية ، كما توكد أيضا وتنوه بضرورة إدماج الثقافة ـ باعتبارها عنصـرا استراتيجيا ـ في السياسات الإنمائية ، الوطنية والدولية ، وتقر بأن حرية التفكير والتعبير والإعلام ، وتنوع وسائل الإعلام يكفلان ازدهار أشكال التعبير الثقافي داخل المجتمعات ، كما تشدد على أن الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية تكتسي بطبيعة مزدوجة ، اقتصادية وثقافية ، بوصفها حاملة للهوية والقيم والدلالات ، وعلى أنها يجب أن لا تعامل على أنها سلعة تجارية فقط ، أو أنها تخضع للقواعد التي تحكم التجارة الدولية.

 

عملية العولمة التي تميزت بتطور سريع لتقنيات الاتصال والمعلومات أحدثت سبلا لتعزيز التفاعل بين الثقافات ، لكنها أي العولمة من ناحية أخرى تشكل تحديا يواجه التنوع الثقافي ، خاصة ما تؤدي إليه من مزيد من الاختلال بين الدول الغنية والفقيرة.

توكد الاتفاقية الصلة الوثيقة بين الثقافة والتنمية سيما في الدول النامية ، وتدعم التدابير المتخذة على الصعيدين الوطني والدولي لضمان الاعتراف بالقيمة الحقيقية لهاتيك الصلة ، ولذا فهي تقترح صندوقا لدعم التنوع الثقافي ، وتلزم البلدان الغنية بتيسير المبادلات الثقافية مع البلدان النامية بمنح معاملة تفضيلية لمبدعي هاتيك البلدان في مجال الثقافة وكذا السلع والخدمات الثقافية.

 

كما لا تنسى الكاتبة المصرية أن تشير إلى أن الولايات المتحدة قدمت فقط 28 اقتراحا بالتعديل تهدف جميعا إلى تفريغ الاتفاقية من محتواها ، رفضت جميعا بالتصويت، أما الوزيرة بهية الطلعة فقد أرسلت ـ على عهدة الكاتبة ـ خطابات شديدة اللهجـة إلى رؤسـاء وفـود الـدول المشاركة في المؤتمـر العـام لليونسكو الذي ضـم (154دولة) تعبر عن إحباط الولايات المتحدة مما يحدث في المؤتمر العام لليونسكو زاعمة أن من الممكن إساءة استخدام بنود هذى الاتفاقية لتقييد حرية التجارة وإساءة تفسيرها لأنها تجيز للحكومات فرض إجراءات حماية تجارية تحت قناع حماية الثقافة، ووضع حواجز جديدة ـ غير مسموح بها ـ أمام تجارة السلع والبضائع والخدمات أو المنتجات الزراعية التي قد ينظر إليها على أنها تعبير ثقافي.

 

ولـذا تـرى الولايـات المتحـدة ضـرورة القيـام ـ بدقـة وعنايـة ـ بتحديـد نطاق الاتفاقية لضمان عدم إمكانية إساءة تفسيرها وتبرير إجراءات يمكن أن تؤثر في حقوق الإنسان والحريات الأسـاسية ، إذ يجـب ـ على الأقـل ـ إعادة صياغة المشروع المقترح بحيث لا يمكن إساءة تفسيره لإجازة إجراءات تحد من حرية التعبير أو تعوق تدفق المعلومات.

 

إن الولايات المتحدة تزعم ـ يا طويل العمر والقامة ـ بأنها بلد يتسم بالتعددية الثقافية ، وهي مؤيد نشط للتعددية الثقافية المرتكزة على حرية الأفراد في تعبيرهم عن أنفسهم والتفاعل مع الآخرين ، أن تقرر الحكومات ماذا يقرأ مواطنوها أو يستمعوا إليه أو يشاهدوه ، كل هذا يحرم الفرد من اتخاذ خيارات مستقلة بشأن ما يرون أنه ذو قيمة وشان.

 

الاتفاقية ليست الشيء الوحيد الذي صوتت ضده الولايات المتحدة ، بل كان لها فضل آخر فـي أنهـا كانـت الوحيـدة التـي صـوتت هـي فقـط ـ ضـد التصديـق علـى ميزانية اليونسكو ، ولله في خلقه شئون وشجون.

 

ولكن بريطانيا وهي الحليف المهم للولايات المتحدة وجميع دول الاتحاد الأوربي وسويسرا ، هاتيك البلدان هي التي تبنت مشروع الاتفاقية ، كما أن دول الجنوب سيما في أمريكا اللاتينية وعديدا من الإفريقيين كان لهم إسهام واضح في المفاوضات والنقاشات التي أفضت إلى مشروع الاتفاقية.

 

وتختم الأستاذة سها بيومي بأنها من المؤمنين بأن سياسة الإمبريالية الأمريكية ستساعد المقاومين على عزل القوى الإمبريالية على مستوى ما يسمى بالمجتمع الدولي ، وعلى بروز أشكال متنوعة من المقاومة ، إن هذا شكل من أشكال التفاؤل القلق.

 

انتهى ما أثبتته الكاتبة المصرية ([29]) حول الاتفاقية ، وقد تدخلنا قليلا في الصياغة ، وقليل من التداخل والتعليقات التي عنت لنا ، مما اقتضاه المقام ، ومن ثم آن الأوان لرأي آخر ، هو رأي :

 

2- تفيد أبوخير : في الدورة الحادية والثلاثي للمؤتمر العام لليونسكو 2001 أعادت الـدول الأعضـاء التوكيد على أن التنـوع الثقافـي يشـكل أحـد جــذور التنميـة ، وأن أهميته بالنسبة إلى الجنس البشري شبيهة بأهمية التنوع البيولوجي بالنسبة للطبيعة ، كما رفضت هذه الدول رفضا قاطعا فكرة أن لا مناص من وقوع صدام بين الثقافات والحضارات ، وسارعت الأمم المتحدة عام 2002 ، إلى اعتماد هذا الإعلان ثم أعلنت يوم 21 أيار يوما عالميا للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية.

 

تبدأ ملامح هذه الرؤية الحضارية من احترام التوزيع الجغرافي للثقافات المحلية بخصائصها الفنية والتراثية والأدبية ، ويشتمل ذلك على الفلكلور الشعبي بمكوناته الفنية والمادية ، والأوابد التاريخية ، والعقائد المحلية والمدن القديمة ، كما يتضمن هذا الاتفاق ، ما تحقق من تلاحم بناء بين الطبيعة والإنسان ، وكانت الدول الأعضاء قد وقعت اتفاقية بشأن حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي منذ عام 1972 ، على مبدأ معروف يستند على أن بعض المواقع في العالم تتمتع بقيمة عالمية إنسانية استثنائية وأنه ينبغي من هذا المنطلق ، أن تكون جزءا من التراث البشري المشترك ، مثل تاج محل ، ومئذنة الإسكندرية ، وسور الصين ، والحاجز المرجاني الكبير في استراليا، والمسجد الأقصى، وقد اعتمدت القدس القديمة بكاملها مصانة ومحمية من التغيير ، ومن ذلك أيضا مسجد الفسطاط بمصر ، والمدارس القديمة بدمشق، ومحميات الأرز في لبنان، وكاتدرائية نوتردام في باريس ، وغيرها مما قد يظن بأهميته الكبيرة على المدى البعيد، مهما تقادمت عليه الأزمان ، وتلزم الاتفاقيات السابقة الدول بحماية هذه الآثار وغيرها ، وهي على جهوزية كاملة لتقديم كل الدعم المالي والتقني لعمليات الصيانة أو الحماية والترميم .

 

وتتواصل الجهود بشكل ملحوظ لدعم الصناعات الثقافية المحلية ، كالتأليف الموسيقـي ، والأدبي ، في البلدان الناميـة ، خصوصـا في إفريقيـا وأمريكا الوسـطى

والجنوبية ، وتطوير منهجيات واستراتيجيات جديدة للحفاظ عليها وتطويرها.

 

وتشرف الاتفاقيات والقرارات التي اعتمدت في المنظمات الدولية على تهيئة

المجتمع الدولي والسياسات الإقليمية لاعتماد اتفاقية حماية التنوع الثقافي بشكل مطلق وشامل لكافة مناطق العالم ، وتضم قائمة التراث العالمي حاليا أكثر من 700 موقع طبيعي وثقافي ، تمتلك الدول الغربية نصيبا كبيرا منها ، وقد طلبت اليونسكو من خلال بعض المندوبين بوقف انتهاك التراث الثقافي للعراق ، خصوصا بعد انتهاك المدرسة المستنصرية في بغداد ، والتي تحولت إلى مكب قمامة بعد الاحتلال الأمريكي(!!) ([30]) .

 

وقد كانت جامعة متعددة الاختصاصات، وأكبر أكاديمية إسلامية في تاريخها، وأول من درست الفقه على المذاهب الأربعة ، كذلك تدمير القصور العباسية ، لأن هذه الأوابد ليست تاريخا عراقيا فحسب ، بل تراث للإنسانية كلها ، ومن هنا نفهم سبب رفض الولايات المتحدة و(إسرائيل) التوقيع على اتفاقية التنوع الثقافي.

 

وكان هذا الشروع قد ظهر عام 2002 بمبادرة فرنسية ـ كندية، على أمل أن يكون ملزما ، وهو يهدف إلى تحرير (المصطلحات الثقافية) من القوانين التي ترعى التجارة الدولية ، من أجل تقوية المجتمعات البشرية لتستعيد قدرتها على تركيب واستنهاض مفردتها الأساسية ، قبل أن تحل محلها اللغة الاستهلاكية التي تقفز فوق الحواجز والحدود الدولية، وتنتزع الأصالة من جذورها، وتبتذل الخصوصية التراثية للثقافات الاجتماعية التي تكونت منذ مئات السنين.

 

إن التطـور الإنساني بمعاييـره كلهـا يعتمد على الميراث الثقافي والأدبي قبـل

تناوله للحاجات الأساسية في التنمية ، ومن هذا الموقف تتأكد أهمية الحفاظ على مكونات الثقافة العربية التي تعد من أغنى صروح الحضارة الإنسانية ، لامتلاكها كنوزا ثمينة من الإبداعات التي حافظت على تميزها لمئات السنين ، على الرغم من مظاهر الحرب والاحتلال والتغريب والتخريب والتدمير التي تعرضت لها المنطقة العربية.

 

ثم نصل إلى خاتمة كلامنا هنا ، يسبقها سؤال ، هل دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ ، وما هي الدول التي صدقت عليها ؟ فإن التصديق على الاتفاقية يختلف عن الموافقة عليها ؛ حيث إن التصديق يجعلها ملزمة للدول التي تصدق عليها أو قل التي تلزم نفسها بالتصديق عليها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التصديق على الاتفاقية

 

هذا التصديق الذي قد يتطلب الرجوع إلى برلمان الدولة ، أو إلى مجلس الوزراء ، أو إلى الحكومة ، أو رئيسها ، أو حتى رئيس الدولة نفسه ، وهذا مثال لتصديق إحدى الدول العربية على الاتفاقية ، يبرز فيه أيضا قراءتها وتصورها وخريطتها عن هذى الاتفاقية ، فتحت عنوان (دخول الاتفاقية الدولية لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي حيز التنفيذ بالنسبة للجمهورية التونسية بداية من 15 مايو 2007) جاء ما يلي :

 

تم مؤخرا بباريس إيداع وثيقة التصديق التونسية على الاتفاقية الدولية ... والتي ستدخل حيز التنفيذ بالنسبة للجمهورية التونسية .. وذلك عملا بأحكام المادة 29 من هذه الاتفاقية ، وتم إيداع وثيقة التصديق لدى المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ـ اليونسـكو ـ وذلك تتويجـا للمجهودات المبذولة من قبل الجمهورية التونسية ومشاركتها المتميزة في جميع مراحل إعداد هذي الاتفاقية.

 

وبداية من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ يدخل قطاع الثقافة والمحافظة على التراث في تونس مرحلة جديدة وتاريخية في العلاقات الثقافية الدولية ، تتميز بوجود إطار قانوني دولي ينظم ـ لأول مرة ـ العلاقات الثقافية بين الدول ، بما تحويه من تعاون ثقافي وتبادل للأنشطة والخدمات والمنتجات الثقافية إلى جانب مبادئ ومفاهيم الحوار بين الشعوب والثقافات.

 

وتؤسس الاتفاقية... حقوقا والتزامات جديدة للدول الأعضاء ، ليس هذا فقط بل أيضا : وترتكز الاتفاقية أساسا على تأكيد الحق السيادي لكل دولة (لاحظ العبارة)

في أي شيء ؟ في تحديد مكونات وآليات سيادتها الثقافية ، وربط الثقافة مع جهود التنمية من خلال النهوض بالصناعات الثقافية ؛ ومن ثم تنظر تونس إلى حقها كدولة في رسم سياساتها الثقافية وربط الثقافة بالتنمية.

 

كما تندرج الاتفاقية ضمن آليات الدولة لتدعيم حقوق الإنسان والشعوب ، خاصة في المحافظة على الخصوصيات الثقافية ، ومن هنا فهي تسهم في دفع التعاون الدولي الثقافي المشترك الذي يهدف إلى ترسيخ الحوار بين الثقافات وتنمية الإنتاج الثقافي للبلدان النامية من خلال الإفادة من خبرات ومعارف الدول المتقدمة.

 

وقد أضفت الاتفاقيـة ـ وركـزت ـ على أن الخدمـات والمنتجات الثقافية تتميز بصفة مزدوجة ، قيمة ثقافية وأخرى تجارية ، ليس الأخيرة فقط.

 

إن الاتفاقية تنسجم مع المبادئ والخيارات الثقافية التي رسمتها الجمهورية التونسية والتي تمثلت في المبادرة إلى الانفتاح على الثقافات الأخرى ، مثل إنشاء كرسي لحوار الحضارات والأديان ومركز قرطاج لحوار الحضارات والتأكيد على دعم التعاون الثقافي الدولي ... إن الثقافة قادرة على الإضافة والإسهام في المخزون الإنساني ، وعلى تعزيز حضور تونس في فضاء معولم ، دون التخلي عن الخصوصيات الثقافية الوطنية.

 

انتهى الحديث عن تصديق تونس على الاتفاقية ، وعلى ما حمله من وجهات نظر حول بنود الاتفاقية ، والآن نسطر آخر ما لدينا من الأخبار عن الاتفاقية فهات يا قلم ما عندك :

 

في بيـان صحفي ([31]) من الحاضرة الكندية (أُتَوا) : اختتم في ديسمبر 2007

أعمال الدورة الأولى للجنة الحكومية لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي برياسة مندوب كندا الدائم لدى اليونسكو بتوجيه نداء للتضامن من أجل إنشاء قطاع ثقافي دولي نشط ومتنوع.

 

وقـد حـدد أعضـاء اللجنـة المذكـورة ـ علـى مــدى 4 أيـام ـ أسـاليب العمـل ، وتبادلوا وجهات النظر بشأن السبل الكفيلة بتطوير التعاون الدولي في الميدان الثقافي ، وتعزيز موقع المجتمع المدني في تنفيذ الاتفاقية ، إذ لم يعد وقت أو مجال للتفكير والنقاش ، ودقت ساعة العمل والتحرك ... الاحتياجات الأكثر إلحاحا هي المشاريع الميدانية الرامية إلى إنشاء بيئة ملائمة للصناعات الثقافية ، من خلال شراكات تتيح تبادل المعارف والممارسات المقبولة ، في ظل احترام وتساوي المكانة بين الثقافات ، وهو المبدأ الأعلى للاتفاقية ... إن الاتفاقية لن تكون ركيزة فعالة للإدارة العالميـة السـليمة ما لم تعكـس ـ بصـدق ـ تنـوع العالـم ، مع توكيـد التضـامن الدولي بجرأة وشجاعة.

 

كما عرض على جدول أعمال الدورة المذكورة توظيف موارد الصندوق الدولي من أجل التنوع الثقافي الذي تموله أطراف الاتفاقية والقطاع الخاص .. الخ ، وكلها إسهامات طوعية.

 

تقول وزيرة التراث ووضع المرأة واللغات ([32]) الرسمية في كندا : (سيتيح الصنـدوق دعم التعـاون من أجـل التنميـة المسـتدامة، كما سوف يُسَهِّل بـروز قطـاع

ثقافي نشط، مع الاستجابة ـ في الوقت ذاته ـ إلى الاحتياجات المحددة للبلدان النامية.

 

من الإسهامات التي قدمت للصندوق المذكور ½ مليون دولار من كندا لعامي 2008/2009 ، أما وزيرة الثقافة والاتصالات ([33]) ووضع المرأة في مقاطعة (كويبك) فقد أعلنت أن المقاطعة قدمت مائة ألف دولار للصندوق.

 

ويختم البيان الكندي بخبرين مهمين :

1- شهدت الاتفاقية وتيرة سريعة لانضمام دول لم يكن لها عهد بالتصديق على الوثائق والاتفاقيات الثقافية ، حتى وصلت أطراف الاتفاقية المصدقين عليها 76 طرفا من جميع مناطق العالم ، 75 دولة + الاتحاد الأوربي الذي صدق على نص الاتفاقية بوصفـه ـ أي الاتحاد الأوربي ـ منظمة إقليمية للتكامل الاقتصادي، وبغية التركيز على ضرورة حماية وتشجيع تنوع  التعبير الثقافي ، وهذا يعني أن الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ بالفعل ، كما سيأتي.

2- ستحتفل اليونسكو في 21 مايو 2008 عبر أرجاء العالم باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية بمشاركة فنانين من جميع أنحاء العالم ([34]).

 

ملاحظات ومقترحات

 


بعد قراءة نص الاتفاقية بشكل متأني / متأنٍ أستطيع الآن أن أسْطُر ما أراه حول هذي الاتفاقية مشفوعا بما يتبدى من مقترحات :

 

أولا ـ لغة الاتفاقية : الحـق يقال ويذكـر ، فـلا يعـاب من أحد أبدا ولا ينكر أن اللغة هنا دقيقة مختصرة ووافية في ذات الوقت ، النص العربي كاملا لم يكمل 17 صفحة.

 

لغة الاتفاقية وغيرها من كتابات اليونسكو تخلـو ـ على الدوام ـ مـن الأخطاء الإملائية أو اللغوية ـ الصرف والنحو والدلالة والأسلوب ـ أو حتى الأخطاء الشائعة ، إذ لم أجد من هذى الأخيرة ( الشائعة) غير كلمة (هام) والصح (مهم) ومن ثم فإن علينا واجب الشكر والامتنان لفريق الترجمة والتحرير في اليونسكو، لما ظهر في عملهـم من حرفيـة ومهنيـة عالية ، هذا المجهـود العمـلاق وراءه إخـلاص وتفانـي ـ تفانٍ ـ فلله الحمد والمنة.

 

ولذا أقترح على الجمعيات الراعية للغة العربية في مصر والعالم العربي أو خارج العالم العربي أن تقدم باقة شكر وعرفان لفريق الترجمة والتحرير (القسم العربي) في أمانة اليونسكو.

 

ثانيـا ـ النصـوص ذات الحجيـة : جـاء هذا عنوانا للمادة34، التي نصت على ما يلي :

حـررت هـذه الاتفاقيـة باللغـات الأسـبانية والإنجليزية والروسيـة

والصينية والعربية والفرنسية ، وتعد النصوص متساوية الحجية.

وترتيب اللغات هنا ترتيب (ألف باء) لا ترتيب أهمية ، ومن ثم جاءت الألف والسين قبل الألف والنون (الأسبانية فالإنجليزية) ثم الراء (الروسية) فالصاد (الصينية) والعين (العربية) أخيرا الفاء (الفرنسية).

 

العربية إذن إحدى اللغات الرسمية في اليونسكو وفي الأمم المتحدة وما يتفرع عنهما من منظمات أو مؤسسات أو ..... أو ... الخ ، وقد بدأ هذا منذ الأول من يناير 1974 ، ومن ثم فالنص العربي لهذي الاتفاقية وغيرها من الوثائق هو ذو حجية مثله مثل النصوص باللغات الخمس الأخريات في الأمم المتحدة ، اللهم إلا في محكمة العدل الدولية فإن فتواهـا ـ مثل فتـوى الجدار العـازل في الأرض الفلسـطينية المحتلة 9/7/2004 ـ تحـرر بالفرنسيـة والإنجليزيـة ، مـع اعتبـار النـص الفرنسـي صـاحب الحجية والمرجعية ، لكن صدرت ترجمة للفتوى ([35]) المذكورة باللغة العربية باعتبارها لغة رسمية في الأمم المتحدة والتي تتبعها محكمة العدل الدولية في لاهاي حاضرة هولندا.

 

اليونسكو لها مركز مطبوعات في الحاضرة القاهرة في قلب العالم العربي ، يتحف القراء العرب بما لا يحصى من الكتب ومن المطبوعات والدوريات باللغة العربية ، خاصة المترجم منها ، ومن هذي الدوريات : (رسالة اليونسكو ـ ديوجين ـ مستقبليات ...) الخ.

 

على أية حال فإنه نظرا لحجية النص العربي في الاتفاقية فإننا أثبتنا النص كاملا (17 صفحة) وبنفس الصورة التي هو عليها في موقع اليونسكو ، دون أي تعديـل أو تغيير في كتابتـه ، بل صورنـاه كما هو ، حتى يتمكن كل قـارئ من تصفحه

بنفسه ، وفهمه طبقا لخريطته ورؤياه.

 

ثالثا : موقع اللغة في الاتفاقية : تتكون الاتفاقية من ديباجة مقدمة ، 35 مادة ، ثم الملحق الخاص بإجراءات التوفيق عند الاختلاف بين الأطراف بشأن الاتفاقية أو أحــد بنـودها ، هـذا الملحق اشــتمل عـلى 6 مــواد فقـط ، وفـي كــل هــذي المــواد (35+6) = 41 مادة لم تذكر كلمة اللغة مفردة أو مجموعة أو منسوبا إليها غير ما يلي :

1- فـي المـادة 34 التي تحـدد النصــوص ذات الحجيــة ـ كمـا سـبق ـ تشـير إلــى أن الاتفاقية حررت باللغات (الست الرسمية في الأمم المتحدة) التي سمتها المادة ، كما سبق.

2- في ص2 ، جاء : ( التنوع اللغـوي هو عنصر أسـاسي من عناصر التنوع الثقافي ..) ثم يثني النص : (ويؤكد مجددا على الدور الأساسي الذي يؤديه التعليم في حماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي).

3- في المادة السادسة (حقوق الأطراف على المستوى الوطني ) جاء فيها :

يجوز لأي طرف أن يعتمد ... تدابير ترمي إلى حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي داخل أراضيه .. يمكن أن تشمل .. تدابير توفر ـ بطريقة ملائمة ـ للأنشطة والسلع والخدمات الثقافية الوطنية فرصا تتيح لها أن تجد مكانها بين مجمل الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية المتوافرة على الأراضي الوطنية فيما يتعلق بإبداعها ونشرها وتوزيعها والتمتع بها ، ويشمل ذلك التدابير المتعلقة باللغة المستخدمة في الأنشطة والسلع والخدمات ، انتهى النص الذي اختصر قليلا.

 

ومن ثم نرى أن كلمة (اللغة) جاءت مرة واحدة ، وكذا جمعها (اللغات) ثم (التنوع اللغوي) مرة فقط هو الآخر.

وبرغم أن ما سبق من نصوص توكد بقوة دور اللغة المحوري في عملية التنوع الثقافي ، لكن كان الأمل أن تنص الاتفاقية بلا لبس ولاشية ولا شبهة على حق الأطفال والشباب في التعلم بلغة الأم، بسبب الأهمية القصوى للتعلم بهذي اللغة، وخطورة إخراج اللغة من فصول الدراسة ومقاعدها ، كيف ؟ هذا رأي اللغويين والمختصين :

-   إن أفضل طريقة للقضاء على لغة ما هي تدريس لغة أخرى مكانها.

-   إن اللغة تكون دائما في خطر إذا لم تك جزءا من المنهج المدرسي([36]) .

-  إن اللغات التي لا تعلم في المدارس ([37]) ويقتصر استخدامها على البيوت والمنازل وعلى الفن الشعبي الشفاهي فقط سوف تصير في النهاية إلى خارج البيئة الثقافية التي تغذيها ([38]).

 

إن المآسي الإنسانية التي تحدث للأطفال الصغار في قسرهم وإجبارهم على التعلم بلغة أخرى غير لغة الأم ليتعارض تماما مع هذي الاتفاقية التي تنص على أن التنوع اللغوي عنصر أساس من عناصر التنوع الثقافي.