لطفاً چند لحظه صبر کنید . Please Wait .....
الجودة والخط العربي في التراث

 

الجودة  والخط العربي في  التراث
 
الأستاذ المشارك الدكتور : جاسم علي جاسم
معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، السعودية
 
المقدمة
إن الله عز وجل أتقن كل شيء خلقه؛ حيث يقول:﴿صُنْعَ اللهِ الذي أَتْقَنَ كُل َّشيءٍ إنه خبير بما تفعلون([1]). والله سبحانه وتعالى، يحب أن يتقن الإنسان عمله، حتى يكون مقبولاً.
وفي الحديث الشريف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"([2]).  إن إتقان الإنسان لعمله -على الوجه الذي يرضي الله عز وجل- سُنَّةٌ حسنة؛ حثَّ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وشجَّعها.
إن الجودة لم تكن بدعاً من القول من بدع القرن الحادي والعشرين وما سبقه بقليل جداً. إنها متأصلة الجذور عند العرب منذ فجر الجاهلية، ولقد أوفوها بحثاً ودراسة. حيث كان الشعراء يتبارون في أسواق مكة المكرمة لاختيار أجودهم شعراً. حيث كان الشاعر يجلس على منصة يلقي قصيدته، وبعد أن ينتهي منها، تَحْكُم لجنةُ الجودة (التحكيم) على القصيدة. وبعد أن تُصادق اللجنة على القصيدة وتُوسَمُ بالجودة؛ تُكتَبُ بماء الذهب، وتُعَلَّق على أستار الكعبة؛ تنويها بأهميتها، وإعلاء لشأن لصاحبها. ولم يقتصر الأمر على الشعر فقط، فالمعاني كانت لها نصيب من الجودة كذلك. والأهم من ذلك؛ أن الخط العربي، لم يكن بعيداً عن هذا الميدان؛ فلقد روعيت فيه معايير الجودة، ووصف بأجود الصفات. وحظي بدراسة مستفيضة من قبل الباحثين منذ القديم.
ويهدف هذا البحث إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:
1-              هل تحدث العلماء العرب عن الجودة؟
2-              هل ناقش العلماء العرب معايير الجودة في الخط العربي؟
3-              هل تطرق العلماء العرب إلى علامات الترقيم في الخط العربي أم لا؟
إليكم الإجابة عن هذه الأسئلة في الصفحات التالية:
 
أولاً: الجودة عند العلماء العرب
لقد كان الإحساس بالجودة والشعور بها حاضراً في أذهان العلماء العرب منذ الجاهلية. لقد بيَّنوا هذا الجانب في مجالسهم الشعرية والأدبية والنقدية وغيرها. ولقد حظي الشعر والمعنى بنصيب وافر من هذا الموضوع، وغير ذلك من الموضوعات الأدبية الأخرى كالنقد مثلاً. وذلك من خلال المُشَادَّة الكلامية التي دارت رحاها بين النابغة الذبياني وحسان بن ثابت في هذا الخصوص. وسوف نقتصر الحديث هنا على الشعر والمعنى لأهميتهما, وبيان أسبقية العرب في هذا المجال.
 
أ‌-                 الجودة في الشعر
لقد اهتم العرب بالشعر اهتماماً كبيراً، واعتنوا به عناية بالغة منذ العصر الجاهلي. وفي هذا الخصوص يذكر الزوزني([3]):
"فيقولون إن الشعراء في الجاهلية كانوا يقصدون أسواق العرب التي كانوا يقيمونها كل سنة بجوار مكة فيتناشدون الأشعار، وكان يُنْصَب للشاعر فيه ربوة فيصعد إليها، وتحدق به العيون، وتشرئب إليه الأعناق، فينشد قصيدة عليهم حتى يأتي على آخره، فلا يقاطعه أحد ولا يستوقفه، فإذا ما أحكم القول، وبلغ من الفصاحة ما وقع اتفاقه على حسنه وإجادته كتبوه بحروف الذهب على نفيس الديباج وعلقوه على الكعبة المشرفة، تنويهاً بشأن صاحبه، وتخليداً لذكره… وقال ابن رشيق: وكانت المعلقات تسمى المُذَهَّبات، ذلك أنها اختيرت من سائر الشعر القديم، فكتبت في (القباطي) بماء الذهب وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء".
ويقول الجاحظ عن جودة الشعر([4]):
"وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلمُ بذلك أنه قد أُفرغ إفراغاً واحداً، وسُبِك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدِّهان".
ولقد صنف ابن قتيبة الشعر إلى أربعة أصناف من حيث الجودة؛ هي([5]):
"قال أبو محمد في حديثه عن أقسام الشعر: تدبَّرتُ الشعر فوجدتُه أربعة أضرب:
1- ضرب منه حسن لفظُه وجاد معناه. كقول القائل في بعض بني أمية:
في كَفّـِهِ خَيْزُران ريحـُهُ عَبِقٌ      مِنْ كَفِّ أَرْوَع في عِرْنِينِه شَمـَمُ
يُغْضِي حَيَاءً ويُغْضَى مِن مَهابَتِه      فَمَا يُكَـلَّمُ إِلا حـين يبتـسمُ
 
2- وضرب منه حسن لفظُه وحلا، فإذا أنت فتَّشتَه لم تجد هناك فائدة في المعنى؛ كقول الشاعر:
ولمَّا قَضَـينا من مِنـىً كُلَّ حـاجةٍ     ومَسَّحَ بالأركانِ من هو ماسحُ
وشُدَّتْ عَلى حُدْبِ المهاري رِحـالُنا    ولا يَنْظُر الغادي الذي هو رائحُ
أَخَذْنـا بأطراف الأحـاديـث بيننا    وسالتْ بأعناقِ المَطِـيِّ الأباطِحُ
هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارجَ ومطالعَ ومقاطعَ؛ وإن نظرتَ إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح ابتدأنا في الحديث وسارت المطيُّ في الأبطح.
 
3- وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، كقول لبيد بن ربيعة:
ما عاتَبَ المَرْءُ الكريمَ كنفسه    والمرءُ يُصْلِحُهُ الجليسُ الصالحُ
هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق.
 
4- وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه؛ كقول الأعشى في امرأة:
وَفُــوهـا كأقـاحِـيَّ     غَـذَاه دائـمُ الهَــطْل
كَمَا شِـيْبَ بِـراحٍ بَــا     ردٍ مِنْ عَـسَلِ النَّـحْـلِ
 
ب- الجودة في المعنى
لم يقتصر الأمر على الألفاظ فقط، بل تعداها إلى المعنى الذي تقف خلفه الألفاظ. فإذا جاد المعنى جادت الألفاظ. وأن المعنى هو الأصل والألفاظ تبع له. فها هو الجرجاني([6]) يحدثنا عن جودة المعنى؛ حيث عاب على الجاحظ النظرة السطحية للغة؛ حينما استشهد ببيتين من الشعر، أغفل فيهما ظاهرة المعنى وانتصر للفظ انتصاراً عظيماً. حيث يقول في دلائل الإعجاز -نقلاً عن الحيوان للجاحظ-:
لا تَحْسَـبَنَّ المَوتَ مَـوتَ البِلَى     وإِنَّما المَوتُ سُؤَالُ الرِّجَـالْ
كِــلاهُمَا مَـوْتٌ، ولـكِنَّ ذَا      أَشَدُّ مِن ذَاكَ على كُلِّ حالْ
 ثم قال: وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيُّر اللفظ، وسهولة المخرج، وصِحَّة الطبع، وكثرة الماء، وجَودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير" فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني، وأبى أن يجب لها فضل فقال: "وهي مطروحة في الطريق"، ثم قال: "وأنا أزْعُم أن ابن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً"، فَأَعْلَمَكَ أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه، وأنه إذا عَدِم الحُسنَ في لفظه ونظمه، لم يستحقَّ هذا الاسم بالحقيقة.
من خلال مناقشة قضيتي الشعر والمعنى، وجدنا أن العرب بحثوا في موضوع الجودة وأبدعوا فيها إبداعاً حسناً. هذه لمحة عامة عن الجودة عند العلماء العرب. وننتقل الآن إلى الحديث عن الجودة في الخط العربي.
 
ثانياً: الجودة في الخط العربي
سوف نسلط الضوء هنا على بعض الأمور التي  لها صلة بفضيلة الخط، وتحسينه، ومعايير الجودة فيه، وما يتصل بذلك من قضايا.
 
1 ً- فضيلة الخط
لقد ناقش العلماء العرب فضل الخط الجيد، وذكروا صفاته ومناقبه. كما ذكروا مثالب الكُتَّاب في هذا الشأن. وفيما يلي نستعرض ما قالوه في هذا الموضوع.
لقد ناقش القلقشندي([7]) فضيلة الخط مستشهداً بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال العلماء، التي تُثْبِت هذا الفضل للخط العربي.
قال تعالى: ﴿اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان مالم يعلم([8]). فأضاف تعليم الخط إلى نفسه، وامتنَّ به على عباده؛ وناهيك بذلك شرفاً!
وقال جل وعزَّ: ﴿ن والقلم وما يسطرون([9]). فأقسم بما يَسْطُرونه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أو أثارة من علم([10]) أنه الخط وفي رواية جودة الخط.
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريحٌ لا يبقى! قال فما قَيْدُه؟ قال: الكتابة.
وقيل: الخط أفضل من اللفظ؛ لأن اللفظ يُفَهِّم الحاضر فقط، والخطُّ يُفَهِّم الحاضر والغائب. ولله القائل في ذلك يصف القلم.
وأَخْرَسَ يَنْطِقُ بِالمُحْكَمَات     وجُثْمَانُه صَامِتٌ أَجْوَفُ
بِمكَّـةَ يَنْطِقُ في خُفْيـَةٍ      وبالشام مَنْطِـقُه يُعْرَف
ويذكر القلقشندي([11])خبراً عن الصولي يقول: وقد قال ابراهيم بن العباس الصولي الكاتب: أَطِلْ خُرْطوم قلمك. فقيل له: أله خرطوم؟ قال: نعم. وأنشد:
كأن أنوفَ الطير في عَرَصَاتِها    خراطيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتُعْجِمُ
وقال عبد الحميد بن يحيى كاتبُ مروان لرغبان، وكان يكتب بقلم قصير البَرْية: أتريد أن يَجُود خطُّك؟ قال: نعم. قال: فَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلمَك وأسمْنها، وحَرِّف القطة وأيمنها؛ قال رغبان: ففعلت ذلك فجاد خَطِّي.
ومن فضائل الخط ما ذكره الأصفهاني([12]):
قال عبيد الله بن العباس العلوي: الخطُّ لسانُ اليد.
وقال يحيى بن خالد: الخط صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصُول.
يلفت الأصفهاني انتباهنا إلى أهمية استعمال علامات الترقيم في الكتابة، لكي نعرف فواصل الكلم بعضه من بعض.
وقال الحسن بن رجاء: الخط متنزّه الألحاظ ومجتنى الألفاظ.
ووصف أحمد بن اسماعيل خطاً: فقال: لو كان نباتاً لكان زهراً، ولو كان معدناً لكان تبراً، أو مذاقاً لكان حلواً، أو شراباً لكان صفواً.
وسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ فقال([13]): "إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفهُ ولامهُ، واستقامت سطوره، وضاهى صعودَه حدورَه، وتَفَتَّحَتْ عيونَه، ولم تشتبه راؤه ونونُه، وأشرق قرطاسُه وأظلمت أنقاسُه (المداد)، ولم تختلف أجناسُه، وأسرع إلى العيون تصوُّره..." كأنه حينئذ كما قيل:
إذا ما تَـجَلَّـلَ قـرطـاسـَه     وسـاوره الـقـلـمُ الأرقـشُ
تَـضمَّـن من خـطِّـه حُـلَّةً     كنـقـش الدنانـير بل أنـقش
حـروفاً تُـعيدُ لـعين الكليلِ      نشـاطاً ويقـرؤهـا الأخـفش
ووصف أحمد بن صالح من جارية خطَّاطة آلات كتابتها؛ فقال([14]):
"كأن خطَّها أشكالُ صورتها، وكأن مدادَها سوادُ شعرها، وكأن قرطاسَها أديمُ وجهها، وكأن قلمَها بعض أناملها، وكأن بيانها سحرُ مقلتها، وكأن سكِّينَها غنجُ لحظها، وكأن مقطَّها قلب عاشقها".
و يقول القلقشندي في هذا السياق([15]) "... لم يزل الشعراء يَلْهَجون بمدح أشراف الكُتَّاب وتقريظهم ويتغالون في وصف بلاغاتهم وحُسن خطوطهم. فمن أحسن ما مُدِح به كاتب؛ قولُ ابن المعتز:
إذا أَخَـذَ القِـرْطَـاسَ خلْتَ يمـينَهُ      تُفـَتِّحُ نَـوْراً أَو تُنَظـِّم جَـوْهَرَاً
وقال آخر:
يُـؤَلِّفُ اللُّـؤْلُؤَ المَنْـثُورَ مَنْطِـقُه     ويَنْـظِمُ الدُّرَّ بالأقـلام في الكُـتُب
ويذكر العسكري([16]): "أن من علامات جودة الخط الترقين؛ وهو النَّقْطُ في الكتاب، وأن تقرأه على نفسك، وتعتبره وتدبر بعضه ببعض. والشكل أيضاً من علامات الجودة في الخط. وممن مدح كثرة الشَّكل أحمد بن اسماعيل نَطَّاحَة الكاتب؛ فقال:
 مُـسْتَوْدِعٌ قـرطاسَـه حِكـمـا      كالرَّّوْضِ مَيَّـزَ بـينَــه زَهَـرُهُ
وكأنَّ أَحْـرُفَ خَـطـَّه شَـجَـرٌ     والشَّـكلُ في أضعـافـها ثَـمَـرُه
ومما يستحسن في هذا المعنى بيت ندر لابن المعتز
بِشَكْلٍ يُـؤْمَـنُ الإشكالُ فيـه     كـأنَّ سُـطـورَه أغـصانُ شَـوْكِ"
ويسوق لنا الأصفهاني([17]) خبراً حول أهمية الشكل في الشعر يقول فيه: "استهدى من أحمد بن اسماعيل دفتراً فيه (حدود الفراء) فأهداه إليه وكتب على ظهره:
خُـذْهُ فقد سُوِّغت منـه مُشَـبَّهَاً    بالـرَّوض أو بالبُـرْدِ في تَفْوِيفـِه
نُظِمَتْ كما نُظِمَ السحابُ سُطُورُهُ     وتـأنَّـقَ الـفَـرَّاءُ فـي تألـيفه
وشكلتُـهُ ونَقطْـتُه فَأَمِـنْتُ مِنْ      تصحـيفه ونـجوتُ من تحريـفه
بستـانُ خـطٍّ غـيرَ أنَّ ثِـمارَهُ    لا يُـجْتَـنى إلاّ بِشكلِ حُـرُوفِـه
وقالوا: المختار في صلاح الأقلام أن يُطال السنَّانِ ويُسَمَّنَا، وتُحَرَّف القَطَّةُ وتُيَمَّن، ويُفرقَ بين السطور، ويجمعَ بين الحروف".
وكما أثنوا وأشادوا بجودة الخط ومدحوا أهله، كذلك أُولِعُوا بذَمِّ حَمْقَى الكُتَّاب، ولَهِجُوا يَهْجوهم في كل زمن. ومنه قول الشاعر في هجاء الكُتَّاب([18]):         
وكـاتـبٍ أقــلامُـــهُ       مُـعَــوَدات بـالـغَـلَـطْ
 يَـكْشِـطُ مـا يَكْتـُبُــه       ثـم يُـعــِيـدُ مـا كَشَـطْ
ويروي العسكري([19]) أيضاً "أن من مناقب خلف الأحمر أنه من أفضل ما عدد من مناقبه أن قال:
لا يَهِم الحاءَ في القراءة بالخـا      ء ولا يأخذ إسنادَه عن الصُّحف
وأنشد محمد لأبَّان اللاحِقِي في رَجلٍ كان كُلَّما أخطأ فَقِيلَ له: هذا لا يجوز، قال: في هذا لغة:
يَكْسِرُ الشِّعْـرَ وإنْ عـاتَبْتَهُ     في مُحَالٍ قـال فـي هـذا لُـغَةْ"
كما قالوا: جودة الخط إحدى البلاغتين، كما أن رداءة الخط إحدى الزمانتين([20]).
 
2 ً- تحسين الخط
كلما كان الخط حسناً كان له أثر في النفس الإنسانية، وكلما كان رديئاً، قل أثره، وإن كانت أفكاره حسنة([21]).
ويذكر القلقشندي([22]) أن من علامات حسن الخط؛ مايلي:
"لا خفاء أن حُسن الخط من أحسن الأوصاف التي يتصف بها الكاتبُ، وأنه يرفع قَدْرَه عند الناس، ويكون وسيلةً إلى نُجح مقاصده، وبلوغ مآربه، مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد التي لا تكاد تُحصى كثرة.
وقد قال أمير المؤمنين على رضي الله عنه: ’الخط الحسن يزيد الحق وضوحاًً‘.
وقال بعض العلماء: الخط كالروح في الجسد، فإذا كان الإنسان جسيماً وسيماً حسن الهيئة، كان في العيون أعظم، وفي النفوس أفخم، وإذا كان على ضدّ ذلك سَئمتْه النفوسُ، ومجَّته القلوب، فكذلك الخط إذا كان حسنَ الوصف، مليحَ الرَّصف، مفتح العيون، أملس المتون، كثير الائتلاف، قليل الاختلاف، هشَّت إليه النفوس، واشتهته الأرواح؛ حتى إن الإنسان ليقرؤه وإن كان فيه كلام دنيء، ومعنى رديء، مستزيداً منه ولو كثُر، من غير سآمة تلحقُه؛ وإذا كان الخط قبيحاً مَجَّته الأفهام، ولفظته العيون والأفكار، وسَئِم قارئه، وإن كان فيه من الحكمة عجائبها، ومن الألفاظ غرائبُها.
ويقال: إن الخط مواز للقراءة، فأجود الخط أبينُه، كما أن أجود القراءة أبينها؛ ولا يخفى أن الخط الحسن هو البيّن الرائق البهيج... قال: فينبغي للكاتب أن لا يقدم على تهذيب خطه وتحريره شيئاً من آدابه فإن جودة الخط أولُ الأدوات التي ينتظم بحصولها له اسم الكتابة، ويُحْكم عليه إذا حازها بأنه من أهلها. وقد دخل بحُسن الخط في الصناعة مَنْ إذا فُحص عن مقدار معرفته وجب أن تُنزَّه الكتابة عن نسبته إليها".
ويتوصل إلى تحسين الخط بعدة أمور منها([23]):
 
الأول: معرفة تشكيل الحروف
قال في "مواد البيان": وهو الأصل في أدب الخط: لأن الخط إنما يسمى جيداً إذا حَسُنَتْ أشكال حروفه، وإنما يسمى رديئاً إذا قَبُحَتْ أشكال حروفه. وحُسن صور حروف الخط في العين شبيهٌ بحُسن مخارج اللفظ العذب في السَّمع. قال: والوجه في تصحيح الحروف أن يبدأ أولاً بتقويمها مفردةً مبسوطة لتصح صورة كل حرف منها على حيالها، ثم يؤخذ في تقويمها مجموعة مركبة، وأن يُبدأ من المركب بالثنائي، والثلاثي، ثم بالرباعي، ثم بالخماسي؛ فإن هذه هي أمثلة الأسماء والحروف الأصلية، وأن يعتمد في التمثيل على توقيف المَهَرة في الخطوط، العارفين بأوضاعها ورسومها واستعمال آلاتها، فإن لكل خط من الخطوط قلماً من الأقلام يصلُح لذلك الخط...
 
الثاني: لواحق الخط: النَّقْط والإعجام
ينبغي للكاتب أن يُعْجِم كتابَهُ، ويبيِّن إعرابه، فإنه متى أعراه عن الضبط، وأخلاه عن الشكل والنقط، كثر فيه التصحيف وغلب عليه التحريف([24]). وأخرج بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "لكل شيء نورٌ، ونورُ الكتاب العَجْم".
وقد حكى محمد بن عمر المدائني أن جعفراً المتوكل كتب إلى بعض عُمَّاله: أن أَحْصِ مَنْ قِبَلَك من المدنيِّين وعَرِّفنا بمبلغ عددهم، فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل ُ مَنْ كان في عمله منهم وخَصَاهم فماتوا غير رجلين أو واحد".
وقد روى أن أول من نَقَطَ المصاحفَ ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. فإن أريد بالنقط في ذلك الإعجام، فيحتمل أن يكون ذلك ابتداء لوضع الإعجام، والظاهر ما تقدم؛ إذ يبعُد أن الحروف قبل ذلك مع تشابه صورها كانت عَرِيَّةً عن النقط إلى حين نَقْط المصحف.
وزاد العسكري([25]) على النقط والإعجام سبباً آخر هو: الأخذ من أفواه الرجال؛ في حال عدم الركون إلى صحة الكتابة والوثوق بمن يُنْقَل عنه.
ولكن عمر([26]) يرى أن النقط موجود منذ القديم؛ حيث يقول: "عُثِرَ على بَرْدِيَّةٍ يرجع تاريخها إلى عام 22 هجرية على عهد عمر بن الخطاب وهي مكتوبة باللغتين العربية واليونانية، وقد نقطت فيها حروفُ الخاء والذال والزاي والشين والنون. كما عُثر على نقش بقرب الطائف يرجع تاريخه إلى عام 58 ثمانية وخمسين في عهد معاوية نقطت فيه أكثرُ حروفه التي تحتاج إلى نقط. كما أن هناك إشارات في المراجع العربية تدل على وجود النقط في الجاهلية. ومن ذلك:
أولاً: ما رُوِيَ عن ابن مسعود وهو قوله: جَرِّدوا القرآن. قال الزمخشري: أي من النَّقْط والفواتح والعُشور.
ثانياً: ما يرجحه القلقشندي في صبح الأعشى من أن الإعجام وضع على الحروف. وهذا الرأي الأخير هو الأكثر قبولاً في نظري إذ يَبْعُدُ أن تكون الحروفُ متشابهة قد وضعت أول أمرها على هذا اللَّبْس. ومع هذا فقد كان العربُ الخُلَّصُ، يعتبرون نقط الكتاب سوء ظن بالمكتوب إليه. ولذا كانوا يُجرِّدون كُتُبَهم من النقط... ولكن حين اختلط العربُ بالأعاجم وكَثُرَ التصحيفُ في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي وُجدت الحاجةُ المُلِحَّةُ إلى التزام النَّقط في الكتابة".
 
الثالث: الشَّكْلُ
قال بعض أهل اللغة([27]): هو مأخوذ من شَكْلِ الدابة، لأن الحروف تُضْبَط بقيد فلا يلتبس إعرابها، كما تُضبط الدابَّة بالشِّكال، فيمنعها من الهروب. قال أبو تمام:
ترى الأمرَ مَعْجُوماً إذا كان مُعْجَماً   لديه ومَشْكُولاً إذا كان مَشْكُولاً
ويُرَجَّح أن أول من وضع الشكل كما يذكر القلقشندي هو: أبو الأسود الدؤليُّ؛ وذلك عندما أراد أن يعمل كتاباً في العربية، يقوِّم الناسُ ما فسد من كلامهم: إذ كان قد فشا في الناس. فقال: أرى أن أبتدئ بإعراب القرآن أولاً، فأحضر من يُمْسك المصحفَ، وأحضرَ صِبغاً يخالف لون المِداد. وقال للذي يمسك المصحف عليه: إذا فتحتُ فايَ فاجعل نقطةً فوق الحرف، وإذا كسرتُ فايَ فاجعل نقطة تحت الحرف، وإذا ضممتُ فايَ فاجعل نقطةً أمام الحرف، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنَّة (يعني تنويناً) فاجعل نقطتين. ففعل ذلك حتى أتى على آخر المصحف. وأكثر العلماء على أن أبا الأسود جعل الحركات والتنوين لا غير. وأن الخليل بن أحمد هو الذي جعل الهمزة والتشديد عن الروم والإشمام.
ويضيف عمر([28]) "من المعروف أن هذه النقاطَ لم يبتَدعْها أبو الأسود الدؤلي ابتداعاً، وإنما أخذها عن السريان وبالتحديد من النساطرة. وبمرور الوقت وصعوبة حصول الكاتب على مدادين مختلفين أثناء الكتابة يكْتُبُ بأحدهما الكلمات، ونقاطَ الإعجام، وبالآخر نقاطَ الشكل، ولاضطراره أحياناً إلى كتابة الاثنين بمداد واحد، مما كان يُوقع في لبس، فَكَّر الخليلُ بن أحمد المتوفى 175 هجرية في الاستعاضة عن نَقْط الشكل برموز أخرى هي تلك الرموز التي نستعملها الآن، فَرَمَزَ للفتحة بجرَّةٍ عُلْوية وللكسرة بجرَّةٍ سفلية وللضمة برأس واو وللسكون بدائرة أو برأس جيم بلا نقط، وللشدة برأس شين بغير نقط وللهمزة برأس عين، ولألف الوصل برأس صاد. وبهذا صار من الممكن أن يجمع الكاتب بين شكل الكتاب ونَقْطِه بلون واحد ومداد واحد دون لبس ".
ولقد تشعبت آراء العلماء في قضية الشكل؛ فبعضهم يؤيد ذلك ويحث عليه، والبعض الآخر يعارضه ويرفضه جملة وتفصيلاً. إليكم بيان ذلك بالتفصيل.
 
أ- آراء المؤيدين للشكل:
لقد اختلفت مقاصد الكُتَّاب في ذلك([29])، فذهب بعضهم إلى الرغبة فيه، والحث عليه: لما فيه من البيان والضبط والتقييد.
قال هشام بن عبد الملك: اُشْكُلوا قرائن الآداب، لئلا تَنِدَّ عن الصواب.
وقال علي بن منصور: حَلُّوا غرائِب الكَلِم بالتقييد، وحَصِّنوها عن شُبَه التصحيف والتحريف.
ويقال: إعجام الكُتُب يمنع من استعجامها، وشَكْلُها يصونُها عن إشكالها، ولله القائل:
وكأنَّ أَحْرُفَ خَطِّه شَجَرُ     والشَّكْلُ في أَغْصَانِه ثَمَرُ
 
ب- آراء المعارضين للشكل:
لقد عارض بعض الكُتَّاب الشكل ورغَّبَ عنه؛ لما فيه من إهانة واستخفاف بالمتلقي لهذا الكتاب([30]). ونورد فيما يلي بعض الأقوال للمعارضين لهذه القضية.
قال سعيد بن حميد الكاتب: لَأن يُشْكِل الحرفُ على القارئ أَحبُّ إليّ من أن يُعَابَ الكاتبُ بالشكل. ونظر محمد بن عَبَّاد إلى أبي عبيد وهو يقيد البسملةَ فقال: لو عَرفْتَه ما شكلتَه. وقد جَرَّدَ الصحابةُ رضوان الله عليهم المصحف حين جمعوا القرآن من النقط والشكل وهو أجدر بهما، فلو كان مطلوباً لما جَرَّدوه منه.
ويقول أبو نواس في ذم النقط في كاتب نَقَطَ كتاباً أرسله إليه وشَكَله([31]):
لم تَرْضَ بالإعجـام حين كَتَـبْتَه            حتى شَـكَلْتَ عليه بالإعراب
أحسستَ سوءَ الفـهم حين فعلتَه           أم لم تـثقْ بي في قِراةِ كتاب
لو كنت قَطَّعتَ الحـروفَ فهمتُها           من غير وصلِكَهُنَّ بالأنساب
 
3 ً- معايير الجودة في الخط
يذكر القلقشندي أن معايير الجودة في الخط على ضربين ([32]):
 
الضرب الأول: حُسْن التشكيل
قال الوزير أبو علي بن مُقْلة: وتحتاج الحروف في تصحيح أشكالها إلى خمسة أشياء:
الأول: التوفية؛ وهي أن يُوَفَّى كل حرف من الحروف حظَّه من الخُطُوط التي يركب منها: من مقوّس ومُنْحنٍ ومُنْسَطِح.
الثاني: الإتمام؛ وهو أن يعطى كلُّ حرف قِسمتَه من الأقدار التي يجب أن يكون عليها: من طُول أو قِصَر أو دِقَّة أو غِلَظ.
الثالث: الإكمال؛ وهو أن يؤتى كل خط حظَّه من الهيئات التي ينبغي أن يكون عليها: من انتصاب، وتسطيح، وانكباب، واستلقاء، وتقويس.
الرابع: الإشباع؛ وهو أن يؤتى كلُّ خط حظه من صَدر القلم، حتى يتساوى به، فلا يكون بعض أجزائه أدقَّ من بعض ولا أغلظَ، إلا فيما يجب أن يكون كذلك من أجزاء بعض الحروف من الدقة عن باقية؛ مثل: الألف والراء ونحوهما.
الخامس: الإرسال؛ وهو أن يُرسِلَ يدَه بالقلم في كل شكل يجري بسُرعة، من غير احتباس يُضَرِّسه، ولا تَوَقُّف يرعشه.
 
الضرب الثاني: حُسْن الوَضْع
قال الوزير: ويحتاج إلى تصحيح أربعة أشياء.
الأول: الترصيف؛ وهو وصل كلِّ حرف متصل إلى حرف.
الثاني: التأليف؛ وهو جمع كلِّ حرف غير متصل إلى غيره على أفضل ما ينبغي ويحسن.
الثالث: التسطير؛ وهو إضافة الكلمة إلى الكلمة حتى تصير سطراً منتظم الوضع كالمسطرة.
الرابع: التنصيل؛ وهو مواقع المَدَّات المستحسنة من الحروف المتصلة. وهذه المَدّات تستعمل لأمرين:
أحدهما: أنها تُحسِّن الخط وتفخِّمه في مكان، كما يُحَسِّن مَدُّ الصوت اللفظَ ويفخِّمه في مكان.
الثاني: أنها ربما أوقعت ليتم السَّطْر، إذا فضل منه كلمة فتمدَّ التي وقعت في آخر السطر لتقع الأخرى في أول السطر الذي يليه.
وقال الشيخ عماد الدين بن العفيف: مواضع المدِّ أواخر السطور، وتُكرَه إذا كانت سيناً مدغمة.
هذه علامات الجودة في الخط كما ذكرها أهل الصنعة في هذا المجال. وإذا طُبِّقت بشكل دقيق فإن الخط يُوصَفُ بالجودة عند ذلك وإلاّ فلا. والآن نناقش علامات الترقيم كما وضَّحها العلماء القدامى.
 
ثالثاً: علامات الترقيم
هل علامات الترقيم جديدة في الكتابة العربية أم أنها قديمة؟
يقول الكردي([33]): "مخترع علامات الترقيم هم الأتراك منذ سنة 1300 هجرية تقريباً، فقد رأينا كتاباً باللغة التركية، مطبوعاً بالحروف العربية، مذكور فيه علامات الترقيم بالتفصيل التام، رأيناه عند أحد الحجاج بمكة المشرفة وذلك في سنة 1369هجرية".
ويقول الخولي([34]): "إن من عيوب الكتابة القديمة رصّ كلماتها رصاً متجاوراً، لا فرجة بينها، ولا نهاية لجملها، ولا فواصل تحدها، مما نشأ عنه تداخلُ أجزاء الجمل بعضها في بعض، واضطراب المعاني، نتيجة لهذا الخلط، وهذا التداخل، خاصة وأن ’الشكل‘ لم يكن شائعاً كما هو عليه الآن".
ولكنني أخالفهما الرأي للأسباب التالية:
أولاً: لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقطِّع قراءته. لقد ثبت عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطَّع قراءته آية آية؛ يقول ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف. ثم يقول ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف. ثم يقول ﴿الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين﴾. رواه أبو داود ساكتاً عليه، والترمذي وأحمد، وأبو عبيدة وغيرهم؛ وهو حديث حسن، وسنده صحيح([35]).
ثانياً: "لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يهتمون عند قراءة مسائله مشافهة، ويتعلمونه كما يتعلمون القراءة، أخرج ابن النحاس عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها. واستمر السلف الصالح من الصحابة والتابعين، يتناقلون مسائل هذا العلم مشافهة إلى أن جاء عصر التدوين، فبدأ العلماء بالتأليف فيه، وأول من نعلم أنه ألف في الوقف والابتداء: شيبة بن نصاح المدني الكوفي (130هـ)، قال ابن الجزري: هو أول من ألف في الوقوف، ولم يصلنا كتابه([36])".
ثالثاً: يضيف الداني على هذا القول مايلي([37]):
"أما النحو، فلا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا على الرافع دون المرفوع، ولا على المرفوع دون الرافع، ولا على المنصوب دون الناصب، ولا عكسه، ولا على المؤكد دون التأكيد، ولا على المعطوف دون المعطوف عليه، ولا على إن وأخواتها دون اسمها، ولا على اسمها دون خبرها، وكذا ظننت، ولا على المستثنى منه دون الاستثناء، ولا على المفسر عنه دون التفسير، ولا على الموصول دون صلته، ولا على حرف الاستفهام دون ما استفهم عنه، ولا على حرف الجزاء دون الفعل الذي بينهما، ولا على الذي يليه دون الجواب. والحاصل أنه كل شيء كان تعلقه بما قبله لا يجوز الوقف عليه".
فهذه النصوص تدل دلالة قوية على أهمية استخدام الوقف بين أجزاء الكلام، ولمعرفة المعنى التام من عدمه. وهي تشير إشارة واضحة إلى أن علامات الترقيم ضرورية في الكتابة للمحافظة على جودتها، ومعرفة بداية الجمل ونهايتها.
رابعاً: لقد كان الكُتَّاب يراعون فواصل الكلام في الإنشاء، وأين توضع هذه العلامات بشكل صحيح كما يذكر القلقشندي؛ حيث يقول([38]):
الخط إذا كان متميز الفُصول، وصل معنى كلِّ فصل منه إلى النفس على صورته، وإذا كان متصلاً دعا إلى إعمال الفِكْر في تخليص أغراضه.
وقد اختلفت طُرُق الكُتَّاب في فصول الكلام الذي لم يُمَيَّزْ بذكر باب أو فصل ونحوه. فالنُّسَّاخ يجعلون لذلك دائرة تفصل بين الكلامين، وكُتَّابُ الرسائل يجعلون للفواصل بياضاً يكون بين الكلامين؛ من سجع أو فصل كلام، إلا أن بياض فَصْل الكلامين يكون في قدر رأس إبهام، وفصل السجعتين يكون في مقدار رأس خِنْصر.
أضف إلى ذلك؛ ما ذكره القلقشندي عن صاحب "مواد البيان"([39]): "وينبغي أن لا تكون الجملة في آخر السطر والفاصلة في أول السطر الذي يليه، فإنه مُلْبِس لاتصال الكلام؛ بل لا يجعل في أول السطر بياضاً أصلاً لأنه يقبح بذلك لخروجه عن نسبة السطور؛ ولا أن يُفْسِح بين السطر والذي يليه إفساحاً زائداً عما بين كل سطرين، ولكن يُراعي ذلك من أول شروعه في كتابة السطر فيقدّر الخط بالجمع والمشْق حتى يخلُصَ من هذا العيب".
تؤكد لنا هذه النصوص على أن الكُتَّاب راعوا علامات الترقيم، وتنبَّهوا إلى أماكنها الصحيحة، التي يجب أن توضع فيها.
وعلاوة على ذلك؛ لقد ذكر العلماء العرب أيضاً، مثالب فواصل الكلام؛ إن وضعت بمكان غير صحيح أثناء الكتابة: وها هو القلقشندي يذكر ذلك فيما يلي([40]):
 
§       حسن التدبير في قطع الكلام ووصله في أواخر السطور وأوائلها:
لأن السطور في المنظر كالفصول، فإذا قطع السطر على شيء يتعلق بما بعده كان قبيحاً، كما إذا كتب بعض حروف الكلمة في آخر السطر وبعضها في أول السطر الذي يليه. إن الفصل المستقبَح في آخر السطر وأول الذي يليه صنفان:
 
الصنف الأول: فصلُ بعض حروف الكلمة الواحدة عن بعض، وتفريقها في السطر الذي يلي��:
مثل أن تقع معه لفظة "كتاب" في آخر السطر، فيكتب الكافَ والتاءَ والألفَ في آخر السطر والباءَ في أول السطر الذي يليه؛ أو يقع في آخر السطر لفظُ "مسرور" فيكتب الميمَ والسينَ والراءَ فيه والواوَ والراءَ الثانية في أول السطر الذي يليه ونحو ذلك.
قال في "مواد البيان": وهو قبيح جداً لأنه لا يجوز فصل الاسم عن بعضه. إن هذا العيب موجود في اللغة الإنجليزية واللغات الأوربية الأخرى؛ فهي تقطع الكلمة في نهاية السطر، وتضع شرطة بعدها، وتتمها في بداية السطر التالي.
 
الصنف الثاني: فصل الكلمة التامة وصلتها
مثل أن يكتب "وصلَ كتابُكَ وأيدَّك الله" مُفَصَّلات، فيكتب "وصل" في آخر السطر و"كتابك" في أول السطر الذي يليه، أو يكتب "أيدَّك" في آخر السطر؛ واسم "الله" تعالى في أول الذي يليه، وما جرى مجرى ذلك.
قال في "مواد البيان" والأحسن تجنُّبه إذا أمكن، فإن لم يمكن فيتجنَّبُ القبيحُ منه، وهو الفصل بين المضاف والمضاف إليه: كعبد الله وغلام زيد وما أشبه. لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة الاسم الواحد... ثم قال: ومما يَقْبُح فصلُه الفصلُ بين كل اسمين جُعلا اسماً واحداً نحو حضرموت، وتأبط شراً، وذي يزن، وأحد عشر.
 
الخاتمة
         من خلال اطلاعنا على أدبيات البحث في هذا المجال؛ وجدنا أن الجودة موضوع قديم، قدم الشعر الجاهلي. وأن العلماء العرب أشبعوها بحثاً ودراسة، وتحدثوا عنها في مختلف النواحي الأدبية: في الشعر والمعاني والخط وعلامات الترقيم وغير ذلك من القضايا الجوهرية.
ولقد ناقشنا فضيلة الخط العربي، وكيفية وصفه بالجودة، وغير ذلك من القضايا المتعلقة به. وأن تحسين الخط يعتمد على أمور منها: معرفة تشكيل الحروف، والنقط والإعجام، والشكل؛ كما بيَّنا آراء المؤيدين والمعارضين للشكل. كما فصّلنا القول عن معايير الجودة في الخط العربي. وأخيراً تحدثنا عن علامات الترقيم؛ لأنها ضرورية في الكتابة، لمعرفة بداية الكلام ونهايته، خاصة إن وُضِعَت في أماكنها الصحيحة.
 
المصـادر
- الأصفهاني، حمزة بن الحسن. 1992م. التنبيه على حدوث التصحيف. حققه: طلس، محمد أسعد راجعه: الحمصي، أسماء و الملوحي، عبد المعين. الطبعة الثانية، بيروت: دار صادر.
- الأعلم الشنتمري، يوسف بن سليمان بن عيسى. 1983م. أشعار الشعراء الستة الجاهليين. تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة. الطبعة الثالثة، بيروت: دار الآفاق الجديدة.
- التنسي، أبو عبدالله محمد بن عبدالله. 1420هـ. الطِّراز في شرح ضبط الخرَّاز. دراسة وتحقيق: شرشال، أحمد بن أحمد. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. 2003م. الحيوان. وضع حواشيه: عيون السود، محمد باسل. الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية.
- جاسم، جاسم علي. 2009م. "علم اللغة النفسي عند قدامى اللغويين العرب". مجلة العربية للناطقين بغيرها، معهد اللغة العربية في جامعة إفريقيا العالمية، الخرطوم، السودان، العدد السابع، السنة السادسة. ص ص 52-57.
- ابن الجزري، أبي الخير محمد بن محمد. 2002م. النشر في القراءات العشر. قدَّم له: الضباع، علي محمد. خرّج آياته: عميرات، زكريا. الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية.
- الخولي، فتحي. 1988م. دليل الإملاء وقواعد الكتابة العربية. الطبعة الخامسة، جدة: مكتبة المنهل، والقاهرة: مكتبة وهبة.
- الخولي، محمد علي. 1989م. أساليب تدريس اللغة العربية. الطبعة الثالثة، الرياض: مطابع الفرزدق التجارية.
- الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد. 1987م. المكتفى في الوقف والابتدا في كتاب الله عز وجل. دراسة وتحقيق: المرعشلي، يوسف عبد الرحمن. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- الزوزني، أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن الحسين. 1983م. شرح المعلقات العشر. بيروت: دار مكتبة الحياة.
- الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير. 1428هـ. المعجم الأوسط. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الصولي، أبو بكر محمد بن يحيى بن عبدالله. 1994م. أدب الكُتَّاب. شرح وتعليق: بسج، أحمد حسن. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.
- الضامن، حاتم صالح. 2007م. فقة اللغة. الطبعة الأولى، الشارقة: مكتبة الصحابة.
- العسكري، أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد. 1963م. شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف. تحقيق: أحمد، عبد العزيز. الطبعة الأولى، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
- عطية، محسن علي. 2006م. الكافي في أساليب تدريس اللغة العربية. الطبعة الأولى، عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع.
- عمر، أحمد مختار. 2002م. أنا واللغة والمجمع. الطبعة الأولى، القاهرة: عالم الكتب.
- ابن قتيبة، أبي محمد عبدالله بن مسلم. 2006م. الشعر والشعراء. حققه وضبط نصه ووضع حواشيه: قميحة، مفيد والضنّاوي، محمد أمين. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.
- القلقشندي، أبو العباس أحمد. 1922م. صبح الأعشى في كتابة الإنشا. الطبعة بدون، القاهرة: دار الكتب المصرية.
- الكردي، محمد طاهر. 1982م. الخط العربي. الطبعة الثانية، صدر عن الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.


1 - سورة النمل:88.
[2]- الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير. 1428هـ. المعجم الأوسط. بيروت: دار الكتب العلمية. الباب: من اسمه أحمد، ج2، ص 408، رقم الحديث 909.
3- الزوزني، أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن الحسين. 1983م. شرح المعلقات العشر. بيروت: دار مكتبة الحياة. ص16-17.  وللمزيد انظر؛
- الأعلم الشنتمري، يوسف بن سليمان بن عيسى. 1983م. أشعار الشعراء الستة الجاهليين. تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة. الطبعة الثالثة، بيروت: دار الآفاق الجديدة. ج1، ص21-22.
4- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. 2003م. الحيوان. وضع حواشيه: عيون السود، محمد باسل، الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية. ج1، ص67.
[5]- ابن قتيبة، أبي محمد عبدالله بن مسلم. 2006م. الشعر والشعراء. حققه وضبط نصه ووضع حواشيه: قميحة، مفيد والضنّاوي، محمد أمين. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية. ص 13-16.
[6]- الجرجاني، عبد القاهر. 1404هـ 1984م. دلائل الإعجاز. قرأه وعلق عليه: أبو فهر شاكر: محمود محمد. القاهرة: مكتبة الخانجي. ص255-275. وللمزيد انظر؛
- جاسم، جاسم علي. 2009م. "علم اللغة النفسي عند قدامى اللغويين العرب". مجلة العربية للناطقين بغيرها، العدد السابع، السنة السادسة. ص ص 52-57.
[7]- القلقشندي، أبو العباس أحمد. 1922م. صبح الأعشى في كتابة الإنشا. الطبعة بدون، القاهرة: دار الكتب المصرية. ج3، ص 5-7.
[8]- سورة الأعلى: 3-5.
[9]- سو��ة القلم: 1.
[10]- سورة الأخقاف: 4.
-[11] القلقشندي. المصدر السابق. ج2، ص448-449.
[12]- الأصفهاني، حمزة بن الحسن. 1992م. التنبيه على حدوث التصحيف. حققه: طلس، محمد أسعد راجعه: الحمصي، أسماء و الملوحي، عبد المعين، الطبعة الثانية، بيروت: دار صادر. ص40 وما بعدها.
[13]- المصدر السابق. ص45-46.
[14]- الأصفهاني. المصدر السابق. ص46.
 -[15]القلقشندي. المصدر السابق. ج1، ص 46.
[16]- العسكري، أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد. 1963م. شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف. تحقيق: أحمد، عبد العزيز، الطبعة الأولى، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. ص16.
[17]- الأصفهاني. المصدر السابق. ص51/56. وللمزيد انظر؛ - الجاحظ. المصدر السابق. ج1، ص47-48.
[18]- القلقشندي. المصدر السابق. ج1، ص 47.
[19]- العسكري. المصدر السابق. ص18/48.
[20]- الأصفهاني. المصدر السابق. ص56.
[21]- عطية، محسن علي. 2006م. الكافي في أساليب تدريس اللغة العربية. الطبعة الأولى، عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع. ص216.
[22]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص 24-25. وللمزيد انظر؛
- الخولي، محمد علي. 1989م. أساليب تدريس اللغة العربية. الطبعة الثالثة، الرياض: مطابع الفرزدق التجارية. ص 130-132.
[23]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص26.
[24]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص153-155. وللمزيد انظر؛
- التنسي، أبو عبدالله محمد بن عبدالله. 1420هـ. الطِّراز في شرح ضبط الخرَّاز. دراسة وتحقيق: شرشال، أحمد بن أحمد. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. ص71.
[25]- العسكري. المصدر السابق. ص13-16.
[26]- عمر، أحمد مختار. 2002م. أنا واللغة والمجمع. الطبعة الأولى، القاهرة: عالم الكتب. ص159. وللمزيد انظر؛
- الضامن، حاتم صالح. 2007م. فقة اللغة. الطبعة الأولى، الشارقة: مكتبة الصحابة. ص134-140.
[27]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص160-161.
[28]- عمر. المصدر السابق. ص160.
[29]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص161.
[30]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص161.
[31]- الصولي، أبو بكر محمد بن يحيى بن عبدالله. 1994م. أدب الكُتَّاب. شرح وتعليق: بسج، أحمد حسن. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية. ص54.
[32]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص143-145.
[33]- الكردي، محمد طاهر. 1982م. الخط العربي. الطبعة الثانية، صدر عن الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون. ص 497.
[34]- الخولي، فتحي. 1988م. دليل الإملاء وقواعد الكتابة العربية. الطبعة الخامسة، جدة: مكتبة المنهل، والقاهرة: مكتبة وهبة. ص 169-170.
[35]- ابن الجزري، أبي الخير محمد بن محمد. 2002م. النشر في القراءات العشر. قدَّم له: الضباع، علي محمد. خرّج آياته: عميرات، زكريا. الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية. ج1، ص178.
[36]- الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد. 1987م. المكتفى في الوقف والابتدا في كتاب الله عز وجل. دراسة وتحقيق: المرعشلي، يوسف عبد الرحمن. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة الرسالة. ص49.
[37]- . المصدر السابق. ص58.
[38]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص149-150.
[39]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص149-150.
[40]- القلقشندي. المصدر السابق. ج3، ص151-152. وللمزيد انظر؛
- الصولي. المصدر السابق. ص49.