شهدت آذربايجان منذ أواسط القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي ازدهاراً كبيراً، فمنذ ذلك الحين طرأ تغير كبير في أساليب الشعر الفارسي حين انتقل من خراسان إلى آذربايجان وشيراز وإصفهان؛ فتغيرت معانيه وأساليبه، بسبب ظهور مجموعة من كبار الشعراء عاشوا في عصر واحد تقريباً، وشكلوا مدرسة أدبية قائمة بذاتها – لا في الأدب الفارسي فحسب بل في الآداب الإسلامية كلها عُرفت باسم "مدرسة آذربايجان". وكان أهم ما يميز شعراء هذه المدرسة صلتهم الوثيقة بالأدب العربي؛ وقد برزت هذه الصلة بوضوح في شعر "نظامى گنجوى" (ولد سنة 1140م وتوفي سنة 1203م) الذي يُعد واحداً من أكبر الشعراء العالميي�� في نظم القصص التمثيلي. ظل هؤلاء الشعراء أقطاباً في سماء الآداب زمناً طويلاً وأعني بهم: 1. نظامي گنجه يي (المتوفي سنة 595هـ / 1202م) 2. خافاني شرواني (المتوفي سنة 595هـ / 1198م) 3. فلكي شرواني (المتوفي سنة 587هـ / 1191م) ولعل ابرزهم على الإطلاق هو "نظامي" الذي جدد وابتكر وقدّم للآداب العالمية أروع قصص البطولة والحب. ولد نظامي في سنة 535هـ / 1140م وعاش حياته كلها في "گنجه"، وعكف طيلة حياته الحافلة بالإبداع الفني المتميز على نظم القصص التمثيلي في الضرب المعروف بالمثنوي، وخلّف لنا خمس قصص سُميت باسم "ﭘـنج گنج"، أي الكنوز الخمسة وهي: مخزن الأسرار، خُسرو وشيرين، ليلى والمجنون، بهرام نَامه أو هَفت ﭘـيكر (أي العرائس السبع)، إسكندرنامه، ولقد ضمت هذه القصص الخمس نحو عشرين ألف بيت من الشعر، فضلاً عن ديوان كبير اشتمل على قصائد الشاعر، ضاع معظمه. ولقد أبدع نظامي في فن القصص التمثيلي إبداعاً منقطع النظير، مما جعل عدداّ من كبار شعراء الفرس في عصور لاحقة بقلدونه، ويحذون حذوه في نظم القصص، بل حاول مقلدوه، أن ينظموا نفس القصص التي نظمها "نظامي" من قبل كقصة "ليلى والمجنون" وقصة "خسرو وشيرين"، فتكرر نظم هذه القصص نفسها بالفارسية عدة مرات. وكان من بين من قلده وسار على غراره في نظم "ليلى والمجنون" كل من "أمير خسرو الدهلوي" (توفي سنة 725)، و "عبد الله هاتفي" (توفي سنة 1927)، وكان تقليد كلا الشاعرين لنظامي واضحاً كل الوضوح، فبدا وكأنهما لم يرجعا إلى الأصل العربي للقصة، وسارا على نهج نظامي في ترتيب الأحداث، وأغفلا ما أغفل هو الإشارة إليه من الأصل العربي، ولم يشيرا إلى شئ من هذا الأصل لم يرد عنده، مما يكاد يُخرج عمل كل منهما – على حدة – من دائرة الأدب المقارن. وإن كانت دراستهما مفيدة – على كل حال – لتبين كيف تطور الموضوع في الأدب الفارسي القومي. ومن بين من نظم "ليلى والمجنون" من شعراء الفرس أيضاً الشاعر "عبد الرحمن الجامي" (توفي سنة 898)، وقد نحا بالقصة نحواً صوفياً، وقد بدا الجامي في عمله مبدعاً حقاً حين رجع إلى الأصل العربي فتأثر به، كما رجع إلى أعمال من سبقه من شعراء الفرس – ومن بينهم نظامي – فتأثر بها أيضاً، لكن عمله ينطوي على قدر كبير من الأصالة والإبداع. مهمة الشعر عند نظامي لقد أدرك "نظامي" ما ينطوي عليه الشعر من أهمية في الحثّ على التخلّق بالأخلاق السامية والتمسّك بأهداب الفضائل، وحفز نوازع الخير في النفس الإنسانية، والتعاطف مع بني الإنسان. ولم يكن نظامي كشعراء القصور الذين اتخذوا من الشعر وسيلة للكسب فقصروا همّهم على المدح والتملق الكاذب وارتياد قصور الخلفاء والسلاطين والملوك، وإنما كان نَسيجّ وحدِه في هذا الصدد. وقد وصفه المستشرق الإنجليزي "براون" في كتابه "تاريخ الأدب في إيران" بقوله: "وكما أن ذكاءه لا ينافسه فيه إلا القليل من شعراء إيران، فكذلك أخلاقه لا يدانيه فيها أحد، لأنه كان يمتاز بالورع الحقيقي دون أن ينزل إلى التعصب والتزمت والجمود، وكان مستقلاً برأيه شديد الاحترام لكرامته، ولكنه كان كذلك ظريفاً وديعاً، وكان والداً محباً لأولاده، وزوجاً عاشقاً لزوجته، وكان لا يحتسي الخمور..." ويخلص "براون" من وصفه المسهب للأخلاق الرفيعة التي تحلى بها نظامي – وهي الأخلاق التي تجلت من دراسة أشعاره – إلى القول بأننا "لو أردنا تحري الدقة والإيجاز في وصف "نظامي" لقلنا إنه الشاعر الوحيد بين شعراء الفارسية الذي جمع بين الذكاءالنادر والخلق الرفيع، وإنه تميز بهاتين الخصلتين مجتمعتين بين جميع الشعراء الفرس الذي أمكنت دراستهم والترجمة لهم". ولقد انعكست هذه الأخلاقيات الرفيعة والمثل العالية على شعر الشاعر بصورة واضحة جلية، بل كان في اختياره لموضوعات قصصه حريصاً على أن يختار من الموضوعات ما يصلح للتعبير عن أهدافه الأخلاقية ومراميه السامية، فإذا نحن استعرضنا موضوعات القصص الخمس التي نظمها وجدنا كل موضوعاتها تنطوي على مغزى أخلاقي ومرمى تعليمي. ولذلك لم يكن عجباً أن يطلق أحد كبار الأساتذة العرب – وهو أستاذنا الدكتور عبد النعيم محمد حسنين- والذي توفّر على دراسة هذا الشاعر – لقب "شاعر الفضيلة" على نظامي الگنجوي. ولقد كان واضحاً أن موضوع "مجنون ليلى" – بما انطوى عليه من ملامح أخلاقية وحبّ عفّ نبيل – قد شكل نوعاً من الإغراء لنظامي فأقبل على معالجته، وإن أشار في بدء القصة إلى أنه ما تناول هذا الموضوع إلا بناءً على طلب من كبار الأمراء في عصره، وهو الأمير "شروان شاه أبو المظفر أخستان بن منوﭼـهر". ومع أن نظامي أبدى للأمير تهيّبه في أول الأمر من نظم القصة؛ لأن مجالها الصحراء الجرداء والجبال الصماء، وهو مجال ضيق محدود أمام الشاعر، فإن حماسه لنظمها لم يلبث أن ملك عليه نفسه، فأتمّ نظمها في أربعة آلاف وسبعمائة بيت في أقل من أربعة أشهر، بالرغم من انشغاله في أعمال أخرى، كما يقول هو. والآن علينا أن نقارن بين ديوان "ليلى ومجنون" لنظامي وأصوله العربية: أ: أوج التشابه 1. يتبين لنا من العرض السريع لقصة ليلى والمجنون عند نظامي، أن الشاعر قد استطاع أن يجمع الروايات المتفرقة عن أخبار قيس، ويلمّ شتيتها ويؤلّف بينها، ويدفع بها في سياق واحد لكي يجعل منها في النهاية قصة متتابعة الأحداث متوالية الفصول، ظل ملتزماً فيها بالإطار العام الذي رسمته الروايات العربية للموضوع، فلم يحد عن هذا الإطار إلا لضرورة فنية اقتضاها نقل الموضوع من النطاق التاريخي إلى نطاق الأدب المحض، كما سيأتي. 2. على أن أظهر ما حرص "نظامي" على نقله من الأصل العربي للموضوع هو الطابع الأخلاقي. لقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن هذا الطابع نفسه قد شكل نوعاً من الإغراء لهذا الشاعر ذي النزعة الأخلاقية، فوجد في الموضوع بُغْ��ته، وأنه يتناسب مع دعوته إلى الفضيلة، فصاغه بهذه الصورة الفنية الرائعة المؤثرة، لكي يدعو من خلاله إلى العفة والأخلاق الحميدة والمثل السامية. لقد بدا الموضوع في مادته الأولية الغُفل، ينتمي تاريخياً إلى "خير القرون" القرن الأول للإسلام حيث كانت الأخلاق السائدة لا زالت بريئة من الخَلْط الذي داخلها في العصور التالية، قد بقيت في الناس مناقب العرب التي عرفوا بها، وهذبها الإسلام، بل وحولها إلى خُلُق إسلامي غايته التقرب إلى الله بنشر مبادئ الحق والخير والجمال بين الناس. لذلك نجد "نظامي" معنياً غاية العناية في قصته بالإعلاء من شأن هذه المناقب والإشادة بها، وتصوير معاني الاستقلال والشجاعة والنجدة والأنفة، والحب العذري العفّ في صورة رائعة باهرة. 3. وقد جعل (نظامى) شخصية قيس بمثابة المحور الذى تدور حوله الأحداث، فهو بطل القصة ومحرّك أحداثها بلا منازع، وهو فى هذا يتفق تماماً مع ما ورد فى الأصل العربى. والحق أن شخصية هذا الشاعر العربى البدوى الذى ابتلى بداء العشق - قيس - قد أخذت بألباب شاعرنا (نظامى)، فبدا فى نظره - كما قال هو عنه: "مقياس الفضائل كلها" تتمثل فيه أنبل العواطف وأرق المشاعر الإنسانية، وتتجلى في قريحته أسمى آيات الفن والإبداع، ورغم أن الشعر قد غلبه على نفسه فباح فيه بعاطفة الحب التي أخذت بلبّه وملكت عليه وجوده كلّه، وعبّر به عن محنته وكربه ولوعته، إلا أنه ظل عف اللسان طاهر الغاية، وانعكست في شعره صُوَرُ جهاده مع نفسه، ومع التقاليد التي فرضت نفسها عليه، فحالت بينه وبين مطلوبه، ولكنه مع ذلك لم يُبد تَبَرُّماً ولاضيقاً بما جرت به الأقدار. لقد رسم "نظامى" صورة مثالية لقيس ظهر من خلالها جميل الطلعة، طلق المُحّيا، خَصب الخيال، نبيل الغاية، عفّ اللسان، فيه شيء من غرور الشباب، طيبّ الشمائل، كريم الضيافة، متسامح، وربما أراد "نظامى" أن يجعل من قيس بسماته الأخلاقية والإنسانية هذه نموذجاً يحتذى به كل شاب، ولا سيما ابنه الذي خصه فى نهاية القصة بنصح وتوجيه اشتمل على نحو ثمانية عشر بيتاً من الشعر بمناسبة بلوغ الابن الرابعة عشرة من عمره. 4. ومن السمات التي حرص على الإبقاء عليها من الأصل العربى للقصة، إيمان قيس بالقضاء والقدر، وأن ما حدث له إنما هو قدر الله مكتوب عليه، وأنه لا سبيل له إلى تغيير هذا القدر. فقيس - في الأصل العربى والقصص الفارسي - لم يبد تبرّماً ولاضيقاً بما جرت به الأقدار، وهو - بحسه الإسلامي - لم يصارع القدر كما يفعل أبطال الأساطير الإغريقية، بل أظهر الرضا بما أملاه القدر، وعدَّ ما رآه الناس شراً هو الخير كله. على أننا لا نستطيع أن نقول كما قال بعض النقاد المحدثين بأن بعض المعانى الدينية انتقلت من خلال هذه القصة إلى الأدب الفارسي، ومنها اعتقاد قيس فى القضاء والقدر، وإيمانه بأن هذا القضاء والقدر هو مبعث ما ابتُلي به من حبّ وما كُتب عليه من فراق للحبيب، ولذلك كان موقناً بأن عليه أن يتحمل ويصبر لأن هذا قدرُه. وتعليقنا على هذا القول هو أن "نظامى" وغيره من الشعراء - الذين نظموا القصة في الفارسية - لم يكونوا ينتظرون أحداث هذه القصة لكي يؤمنوا من خلالها بهذه المعاني، فهي موجودة ومركوزة فى معتقداتهم وأفكارهم قبل تناولهم لهذه القصة وبعدها، لأنها من أصول معتقداتهم الدينية، ومن ثم فإن التعبير عنها فى أعمالهم لا يعد في الواقع تأثراً بالأصل العربى للقصة بقدر ما يعبر عن إيمانهم بعقيدة دينية يشاركون فيه العرب وغيرهم من المسلمين سواء بسواء؛ فلا يمكن أن تكون القصة هي السبب في ظهور هذه العقائد في شعرهم. غاية ما في الأمر أن نظامي قد حرص على الإبقاء على هذا الملمح من ملامح القصة في أصلها العربي، فجعله أساساً بنى عليه تصوره لشخصية قيس ورؤيته الإيمانية للمأساة التى نزلت به. ب- الإضافات الفنية والخلافات الموضوعية يرى الأستاذ الدكتور طه ندا في كتابه "الأدب المقارن" أن "نظامى" قد أضاف إلى الأصل العربى "من التفصيلات ما لانعرف له مصدراً، ونستبعد أن يكون قد اطلع على كثير من المصادر، فاختار منها وانتقى، ولكن الذى نرجحه أن يكون قد وقع على كتاب -لم نعرفه بعد- جمع تلك المادة التى صاغ منها منظومته". لكننى أرى أن فى هذا القول إجحافاً بحق نظامى وإنكاراً لجانب مهمّ من جوانب عبقريته. فهذه الإضافات التى أضافها "نظامى" إلى الموضوع لاتُنسب -في رأينا- إلى كتاب –لا زال مجهولاً- قد اشتمل على هذه الإضافات نفسها ووقع عليه الشاعر فنقلها منه. كما أشار أستاذنا الدكتور طه ندا، بل ينبغي أن ننسب هذه الإضافات إلى عبقرية "نظامى" وإبداعه الفنى. وهي العبقرية التي أملت عليه نقل الموضوع من نطاقة التاريخي إلى نطاق الأدب المحض، ومن إطاره النثري إلى إطار شعري، الأمر الذى ألزم الشاعر بأن يضيف من عنده من العناصر الدرامية والشخصيات والمشاهد، ويولّد من الصّور، ويتخيل من المواقف ما لم يكن له وجود في الأصل العربى، لكي يتكامل البناء الفنى للقصة. ونحن إذا رجعنا إلى مقدمات القصة التي كتبها "نظامي" نجده بيدي تهيّبه من تناول موضوع، ويعبر عن خوفه منذ البداية من أن مجال القصة ضيّق محدود، ولأنه فارس الشعر والبيان، يحسن أن يكون المجال واسعاً مفتوحاً أمامه كيما يتحرك بحرية وانطلاق، فيتجلى طبعه وتجود قريحتُه، ويتسع عليه مجال بلاغته. يبدأ نظامي معبراً عن تخوفه وتهيبه من تناول موضوع (ليلى والمجنون) بقوله في مقدمات القصة. "يتعين علىّ – فيما يبدو- أن أكثر من سَوْق النكات، ما دمت أمضي في رحلة لا أتبين فيها طريقي، فليس هاهنا بستان ولا وليمة ملكية، ولا نهر، ولا خمر، ولا ندمان، بل هاهنا جفافُ الرمال، وصلابه الصخور والجبال، مما يثقل أكثر الكلام بالهم والحَزَنْ". فربما كان أكثر ما أقلق نظامي، عند بداية نظمه للقصة، أنه إنما يعالج موضوعاً في مسرح غير مألوف له، وهو الصحراء الجرداء الخالية من البساتين والولائم الملكية، والأنهار، وكؤوس الشراب، والتقاء الندمان والصحاب، مما يجعل مجال النظم ضيقاً أمامه بشكل لم يعهده من قبل، فلقد كانت القصة التي أتمها نظامي قبل أن يشتغل بنظم "ليلى والمجنون" هي قصة "خسرو وشيرين" التي اشتملت على مغامرات الملك الساساني "خسرو ﭘرويز" وزواجه بالأميرة الأرمنية "شيرين" والنهاية المفجعة التي لقيها غريمه البائس (فرهاد). كان الباب أمام "نظامي" متسعاً فسيحاً في "خسرو وشيرين" لوصف المنظر الطبيعية الخلابة التي تجذب القارئ وتضفي على الموضوع بهجةً وجمالاً، فقد أكثر من الحديث عن الموائد الملكية، وبدا وكأنه يتغزّل في أنواع الأطعمة والفواكه المأكولة والمشمومة التي حفلت بها تلك الموائد، وفي الرياض والأزهار التي أحاطت بها واكتنفتها من كل جانب. أما الآن فهو مقبل على نظم قصة تدور أحداثها في صحراء جرداء قاحلة فأنَّى لطبعه أن يواتيه ولقريحته أن تطاوعه فتجود في تصوير مثل هذا الجوّ الساذج الذي لا يمكن أن يضفي على الحدث المأسوى للقصة إلا ثقلاً ينوء بكلكله على نفس القارئ. ومن هنا اختط "نظامي" لنفسه خطة يستطيع أن يخرج بها من مأزق نظم قصة تجري أحداثها على مسرح لم يعهد النظم فيه من قبل، بل يصعب النظم فيه أصلا لجَدَبه وخُلوّه من موادّ تضفي من البهجة والتشويق ما يخفف من وطأة المأساة وثِقلهَاَ على القلب. وبقدر ما كان "نظامي" حريصاً على التزام الإطار العام للأصل العربي كان معنياً أيضاً بإعمار الأحداث بمزيد من العناصر الدرامية والصور المتخيلة وإضافة مجموعة من المواقف التأثيرية وابتكار عدد من الشخصيات وتوليد المشاهد وتنوّعها، لكى يتغلب على ما ظن أنه سيصيب المعالجة الفنية للقصة بالنقص والقصور، بسبب جدب المسرح الذى تجري فيه الأحداث، فجاءت القصة مملوءة بالحركة والحيوية، ولم نلحظ قصوراً في التوافق بين حركة الأحداث وجمود المسرح الذى وقعت فيه، بل حاول الشاعر توظيف كل العناصر اللازمة، وجعلها تشارك في تعميق الإحساس بالحدث. لقد كانت الضرورة الفنية إذن هي التي دعت شاعرنا "نظامي" إلى إعمار القصة بعناصر لم ترد في الأصل العربي، وهو إعمار أفصح عن عبقرية هذا الشاعر وقدرته على الابتكار والإبداع، وعلى إدراكه للحاجات الفنية للأعمال التي يقبل على معالجتها ومحاولته إشباع هذه الحاجات بالقدر الذي يتناسب مع العمل. ومن ثَمَّ لا يمكن أن نَعْزُو هذه الإضافات التي أضافها نظامي إلى كتاب اطلع عليه الشاعر ونقل منه تلك الإضافات التي صاغ منها ديوانه، وإلا كان ذلك ظلماً لعبقرية هذا الشاعر وافتئاتاً على ما بذله من جهد في سبل إعمار الموضوع بهذه العناصر الإيجابية التي جعلت من القصة نموذجاً يُحتذى في الفن والإبداع. والآن علينا أن ننظر في التغييرات والإضافات التي أضافها شاعرنا (نظامي الكَنجوي) على الأصل العربي، لكي يطبعه بطابع فني جمالي، ثم نخلص بعد ذلك إلى رصد أوجه الخلاف بين قصة نظامي وأصولها العربية.
التغييرات والإضافات ذات الطابع الفنى 1-رتب نظامي أحداث القصة وقسّمها إلى مناظر ومشاهد متتابعة يُفضي بعضها إلى بعض، فجعل منها سلسلة متصلة الحلقات لا تضارب بينها ولا اختلاف ولا تناقض، كما كان الحال في الأصل العربي عند أبي الفرج الإصفهاني. ولم يكن العمل الذي قام به نظامي ترجمة للقصة من أصولها العربية إلى الفارسية، بل كان شيئاً أعلى من الترجمة، قد اتخذ من الأحداث البسيطة في الأصل العربي مادّته الغُفل التي شاد بها أركان قصته بطريقة فنية محكمة، وزود هذه المادة وولّد فيها صوراً كثيرة متخيلة. ولا شك أن هذا العمل الفني يستلزم استعداداً خاصاًً وعبقرية ذاتية لدى الأديب تمكنه من إثراء الدلالات الفنية في الموضوع وإضفاء الطابع الجمالي عليه. 2-أخرج "نظامى" الموضوع من حالته النثرية في العربية إلى حالة شعرية في الفارسية، لكي يعبّر بنسق الشعر ونظمه وألفاظه وموسيقاه، ويصور القصة تصويراً شعرياً مؤثراً، مجاله النفس ومشاعرها وخلجاتها، وليس مجاله العالم الخارجي وحده. 3-عمد "نظامي" إلى توظيف الزمان والمكان لخدمة كل حدث يعرض له. فهو يهيئ المسرح للحدث المنتظر ويحشد له كل عناصر التأثير الدرامي بالطبيعة المحيطة. فالمروج الخضراء والحدائق الغناء والزهور الزاهية الألوان، وشَدْو الطيور، وانبلاج الصبح، وإقبال الربيع، وسائر العوامل المكانية والزمانية تمهد لحدث سعيد كلقاء الحبيبين، أو قدوم زائر بخبر من الحبيب، بينما تتضافر العوالم المكانية والزمانية المعاكسة، كمقدَم الخريف، وتساقط أوراق الأشجار، وذبول الورود والأزهار، وإصابة البستان بالضرّ والعطب في تهيئة المسرح لحدث حزين كالفراق. وهكذا يستدعي الشاعر كل العومل التأثيرية لتعميق الإحساس بالفرح أو الإحساس بالألم. ويتتابع اللقاء والفراق، كتتابع الليل والنهار، وتداول الأيام، لتعزيز طابع الحركة، وإضافة صفة الحيوية والتدفق على أحداث القصة. 4-استطاع "نظامي" أن يحوّر في عنصر الصراع الدرامي تحريراً يتفق مع رؤيته الفنية لأحداث القصة، فلم يبق على الطابع الخارجي لهذا الصراع كما بدا في الأصل العربي، بمعنى أنه صراع مفروض من الخارج بحكم تقاليد المجتمع والبيئة، بل حاكه صراعاً داخلياً بين النفس البشرية ونوازعها، وتقلبها بين اليأس والرجاء والألم والأمل، حتى بلغ بالصراع في النهاية مبلغاً جعل قيساً يتخلص من نوازع نفسه البهيمية، ويتواءم مع هذا الجو الذى ارتضاه لنفسه، بعد أن ارتاض الحياه مع وحوش الصحراء، واقتات الأعشاب، وصبر على تقلّبات الجو، بل وتمكن قيس من إقناع بعض الناس –كخاله- بسلامة اختياره وبأنه على حق في أنه قد اعتزل الناس، فامتدح خالُه صنيعَه، وأخبره بأن مَنْ كان هذا دَأْبَه فهو لهذا العالم سيّد لا سلطان لأحد عليه. 5-يمارس (الحوار) في قصة "نظامي" دوراً كبيراً في تطوير الأحداث، وقد يكون الحوار بين إنسان وإنسان آخر، أو بين إنسان وحيوان، أو بين إنسان وطائر، وقد يكون هذا الحوار في حالة البقظة أو في المنام. والشاعر هنا يجد في الشعر الذى يصاغ فيه الحوار متعة جمالية وغنائية، لا تقل أهمية عن متعة الانفعال بتطور أحداث القصة نفسها، ولعل هذا هو الذى دفع نظامي إلى الإكثار من مواقف الحوار لا في قصته هذه وحدها بل في سائر قصصه التمثيلي. لكننا نلاحظ أن الحوار يطول في بعض الأحيان، مما يفسد النسق الدرامي للحدث ويصيبه بالفتور والركود. 6-يلجأ "نظامي" إلى الابتكار في قصته، فيبتكر من العناصر والشخصيات والمواقف ما لم نشهد له أثراً في الأصل العربى؛ ومن ذلك تلك الرسائل الكثيرة المتبادلة بين قيس وليلى، والشخصيات الإنسانية التي لم يكن لها وجود في الروايات العربية كشخصية "سليم العامري" خال المجنون، والشاب "سلام البغدادي" الذي قدم على قيس بالصحراء لكي يصحبه ويخدمه زمناً ويحفظ ما يرويه من أشعار، والأعرابي الذي أخبره بنبأ زواج ليلى، وغيرهم. ولا شك أن نظامي قد أراد بهذه الإضافات والابتكارات أن يعمل على إثراء قصته بالمواقف العاطفية، وتعميق الأثر الدرامي لتطور الحدث. 7-تلقى بعض الألفاظ العربية التى دخلت اللغة الفارسية عناية بالغة من "نظامي"، فيبدو اللفظ عنده شيئاً ذا قيمة كبيرة يقلّبه على وجوه شتّى لرسم صور عديدة شاخصة، مستخدماً في ذلك ما يدل عليه اللفظ من دلالات مختلفة ومعاني متباينة. انظر إليه وهو يستعمل لفظ "حلقة" وهو من الكلمات العربية التي انتقلت إلى الفارسية وتقرر استعمالها فيها وأصبحت جزءاً من بنيتها، فيقول وهو يصف حالة قيس في ساحة الكعبة المشرّفة: "وما إن سمع المجنون كلمة العشق، حتى بكى ثم ضح�� وقفز من موضعه كما يقفز الثعبان المتحلّق، وأمسك بحلقة تحب باب الكعبة وتعلّق، وأنشأ يقول وهو مُستمسك بالحلقة يضعها على صدره: إننى اليوم كَسَقَطِ المتاع، لقد بعتُ روحي في حلقة العشق، فلا كانت لي أذن دون حلقة العشق". فهذ اللفظ المنفرد يرسم صوراً شاخصة تختلف باختلاف الدلالة تارة، وباختلاف الجرس الذى يلقيه في الأذن تارة أخرى، وفي الظلّ الذي يلقيه في الخيال تارة ثالثة؛ والشاعر يؤكد من خلال هذا التنويع في استعمال الدلالة على براعته في تلوين الصور البيانية وتحقيق التناسق والتناسب بينها. * * * ولقد كان هذا هو عمل نظامي والتغييرات التي أجراها والإضافات التي أضافها الموضوع لكي يخرج به من حالته الأولية الغفل إلى حالة ذات طابع شعورى وجداني. ولقد لاحظنا أن الشاعر قد استمد هذه الإضافات من البيئة نفسها، حتى الشخصيات التي ابتكرها، إما كانت من عرب البادية، كسليم العامري- نسبة إلى قبيلة بني عامر- أو كانت من عرب الحواضر كسلام البغدادى. فلقد وضع الشاعر نصب عينيه أن يكون نسيج الموضوع واحداً، فلم يقحم عليه شيئا غريباً عنه، وإنما كان إبداعه وابتكاره مستمداً من نفس البيئة، وكانت رؤيته نابعة من جو الأحداث ذاته. أوجه الخلاف علينا الآن أن نحاول رصد أوجه الخلاف بين منظومة نظامي وأصولها العربية: 1-جعل "نظامي" أبا قيس ملكاً من ملوك العرب، كما وصف زملاء قيس وليلى في "المكتب" بأنهم كانوا جميعاً من أبناء ذوي المكانة في قومهم. وربما أراد الشاعر بهذه المبالغة في رسم الشخصيات المحورية في قصته أن يضفي عليها قدراً من الأهمية يُلفتُ النظر إليها، ويكسب عطف القارئ على بطلها "قيس" فهو ابن ملك، لكنه يلقى كل هذا العنت والعناء والتشرد والضياع بسبب الحب. فالشاعر إنما يريد بهذا الخلاف أن يثير رغبة قارئه لمتابعة القصة والاندماج فيها والتعاطف مع أبطالها ... وذلك لميل الناس إلى احترام الملوك والعظماء والقادة وتوقيرهم ومتابعة ما يحدث لهم من أحداث، وما يجرى عليهم من خطوب الدهر وتحوّل الأيام. مجمل القول أن الشاعر ربما قصد بهذه المبالغة أن يضفي بها على الأحداث عنصر الإثارة والتشويق. 2-لم تكن اللقاءات الأولى التي جرت بين الصغيرين قيس وليلى – في قصة نظامي – عند سفوح جبل "التوباد"، وهما يرعيان الغنم، كما جاء في الأصول العربية، وإنما تمت هذه اللقاءات في "المكتب"، أى المدرسة الأولية البسيطة ذات الفصل الواحد التي يتعلم فيها الصغار القرآن الكريم ومبادئ العلوم العربية والحساب، وينبه الشاعر إلى أن سادة القبائل العربية كانوا يبعثون بأبنائهم وبناتهم إلى هذا النوع من المدارس لتلقيّ مبادئ العلم. ويصوّر "نظامى" المكتب تصويراً يتفق مع صورته التي كان عليها في زمن نظامي نفسه في القرن السادس الهجري، حيث انتشرت هذه المكاتب في جميع الأمصار الإسلامية، ومنها آذربايجان. غير أن هذه المكاتب لم يكن لها وجود في البيئة البدوية التي نشأ فيها قيس في القرن الأول للهجرة. ولعل الشاعر فد أراد بهذا الخلاف أن تكون الصورة التي يقدمها لقيس – برغم اخلاف بعض ملامحها عن الأصل العربى – متسقة ومتلائمة مع مفهومه هو. ذلك أنه حين صوّر قيساً باعتباره واحداً من أبنا الملوك، لم يكن ليجعله يرعى الغنم، فالرعي وإن كان أمراً لا مجال فيه للتفاوت الطبقى في البيئة الصحراوية العربية لا يستنكف عنه غني أو فقير، بل هو أمر مشترك بينهما؛ إلا أنه يبدو أن البيئة في آذربايجان لم تكن لتسمح أو تسيغ أن يخرج ابن ملك إلى الصحراء ليرعى الغنم. ومن ثم كان على نظامي أن يحور تحويراً ضرورياً فى المسرح الذى شهد اللقاءات الأولى، فيجعله مكاناً لا محيد عن ارتياد الأمراء وأبناء البيوتات له، وهو دار العلم "المكتب" لكي يتفق مع الصورة التي أراد أن يرسمها منذ البداية لقيس كواحد من أبناء الملوك. 3-يرى "نظامي" أن السبب في رفض أبي ليلى تزويجها قيساً، ليس هو تشبيبه بها في الشعر كما جاء في الأصل العربي، بل لأن قيساً قد أصابه مسٌّ من الجنون بسب حبه لليلى، فلما شاع عنه ذلك بين الناس لم يشأ والد ليلى أن يزوج ابنته بمجنون خوفاً من العار. وربما كانت هذه العادة العربية القديمة – وهي التي تقضي بأن يُمنع من يشبّب بفتاة من زواجها – غير مألوفة ولا مفهومة عند أهل آذربايجان، وتحتاج من الشاعر إلى شرح مطوّل للفت نظر القارئ إليها وجعله يقتنع بها. فضرب نظامي عنها صفحاً وانتحل لهذا الرفض سبباً آخر. وربما رأى الشاعر أن الإشارة إلى هذه العادة العربية قد تكون – من الوجهة الفنية – إقحاماً من الخارج على أحداث القصة نفسها، وأن الأحداث الرئيسية في القصة ينبغى أن تتوالد وتتطور من خلال الشخصيات ولاتأتى بحكم عوامل خارجية. فالحب أدى إلى تَوَلِّه قيس، فتجاوزت تصرفاتُه حدَّ المألوف حتى رُمى بالَبَله والجنون، وهكذا لم تكن العادات والتقاليد – التي تمثل المحيط الخارجي للحدث – هي التي أحكمت عقدة القصة، كما كان عليه الحال في الأصل العربي، وإنما أراد الشاعر أن تكون العقدة ناتجة عن توالد الأحداث بعضها من بعض، وعن تطور الشخصيات ونموّها وانتقالها من حال إلى حال. 4-كانت بعض السمات في شخصية قيس كما وردت في الأصل العربي صالحة لتأويلها وتحويلها إلى سمات صوفيه، ومن بين هذه السمات إلفه للحيوان والوحش، وزهده في أكل اللحم، وعزلته، وما كان يعتريه من إغماء. ولقد التفت نظامي إلى هذه السمات وحاول يُؤَوِّل شخصية قييس من خلالها تأويلاً صوفياً، فاستخدم في قصته الكثير من المصطلحات الصوفية، التي تدل على (الوجد) و(السُّكر) و(العشق) بمعناها الصوفي، كما أوَّل (الجنون) تأويلاً صوفياً وصرّح بأنه لا يعني ذهاب العقل، بل هو فرط المجبة للمحبوب، فلا يرى المحب أحداً سواه ولا يعبأ بأحد غيره. وبينّ نظامي على لسان قيس أنه قد تحرر من سلطان العقل وصار تابعاً لسلطان القلب، ووصف قدرته على التحكم في البيئة الصحراوية المحيطة به، وما كان من سيطرته على الحيوان والوحش، مشبّهاً إياه في ذلك بالنبي سليمان عليه السلام. وخلع على قيس فكرة العزوبة وحب التجرّد، إذ كان بعض الصوفيه يؤثر التجردّ ويرغب عن الزواج. وذكر "نظامي" أن قيساً فى أواخر حياته ما رأى رؤيا إلا وجاءت كفَلَق الصّبح، كما بين أن مشاعر المجنون قد تطورت في النهاية تطوراً حدا به إلى أن ينصرف عن التفكير في كربته، فيسمو على حبه لليلى وحرصه على وصالها، وينشغل بعبادة الله وتقديسه وإيثاره على هوى نفسه. فلم يعد الحب الإنساني هو الذي يشغل قيساً كلية – عند نظامي – بل انطلق قيس من هذا الحب الإنساني إلى الحب الأسمى، إلى مصدر كل حب إلى الله عز وجل، واطرح كل حب دونه. ومهما يكن من أمر، فلقد عاش "نظامي" عصر غلبة التصوف على سائر مظاهر الحياة العامة في البلدان الإسلامية، وكان لا بد لشاعرنا – رغم أنه لم يكن صوفياً – أن يصبغ دعوته إلى الفضيلة والمثل العليا بصبغة صوفية تتمشى مع التيار الغالب في الحياة الثقافية والأدبية، ويستخدم مصطلح أهل الطريق في تبليغ رسالته وإسماع كلمته. 5.صوّر نظامي "ليلى" على أنها قد بقيت عذراء طوال حياتها حتى ماتت، رغم أنها قد تزوجت، وهو ما لم يرد في الأصل العربي. ولعل نظامي – وغيره من الشعراء الذين قلدوه – قد راقتهم هذه الفكرة فانساقوا وراء مثاليتهم المفرطة، فصوروا الأمور على هذا النحو، لبيان مدى الغاية التي يمكن أن يصل إليه الحبُّ العذري. 6.أعطى "نظامي" لليلى في قصته دوراً إيجابياً لم يكن لها منه نصيب في الأصل العربي، الذي التزمت فيه جانباً سلبياً تماماً، ولم يبدر منها ما يدل على أنها قادرة على الفعل، اللهم إلا ما ذكرت بعض الروايات من أنها زارت قيساً مرة في بيته في أول عهده بحبها فمكثا مدة يتناجيان، وأنها كانت تسأل الرُّكبان عن حاله. وربما كانت هذه الروايات القليلة هي الأصل فيما نسبه "نظامي" إليها في قصته. حيث أعطاها دوراً إيجابياً فاعلاً في تطور الحدث، فهي وإن كانت قد زُوِّجت عُنوة فقد بقيت في منعة من زوجها، وهي ترسل الرسائل لقيس تبثه فيها شوقها وتشكو ما تكابده من عناء الفراق، وتبعث في إثر قيس من يبحث عنه لتضرب له موعداً للقاء، ويلتقيان غير مرة بتدبيرها هي. ثم ينتابها من المرض والسقم ما يفضي بها إلى الموت، ولكنها قبل موتها توصي أمها بأن تترفق بالمجنون وتبلغه عنها الرسالة الأخيرة حين يأتي لزيارة قبرها. كل هذه وغيرها من الملامح الإيجابية قد تَوسّع "نظامي" في إضفائها على شخصية ليلى، للدلالة على أنها إنما بادلت "المجنون" حباً بحب، وأنها كانت صِنْواً له في إثراء القصة بالمواقف العاطفية المؤثّرة. 7.بالغ نظامي في وصفه لمعركة كبيرة جرت بين "نوفل بن مساحق" ومن معه من أصحاب وجنود، وبين أهل ليلى بسبب رفضهم وساطة نوفل، فقد كاد نوفل يُمنى بهزيمة منكرة أول الأمر لولا أن مددا عاجلاً جاءه، فدارت الدائرة على أهل ليلى، ووقع أبوها في أسر نوفل، الذي عفا عنه، ولم يرغمه على تزويج ليلى للمجنون، مما لا نجد له أصلاً في الروايات العربية. ويبدو أن "نظامي" حاول أن يستجيب للتراث الأدبي الفارسي الذي ألف نظم الملاحم وشعر الحروب ووصف المعارك. الخلاصة: مجمل القول أن الطابع الأخلاقي الذي انطوت عليه الروايات العربية لموضوع ليلى قد أغرت شاعراً كبيراً من آذربايجان ذا نزعة أخلاقية، وهو "نظامي الگنجوي" بنقل الموضوع من نطاقه التاريخي في اللغة العربية إلى مجال الأدب المحض في اللغة الفارسية. ولقد عمد الشاعر أول ما عمد إلى جمع ما تفرق من أخبار المجنون وألفّ بين شتيتها وجعل منها قصة متتابعة الأحداث متوالية الفصول، وصاغها شعراً في فن من فنون الشعر الفارسي يسمى عندهم "المثنوي"، يسمح للشعراء بنظم المطوّلات لاقتصار القافية فيه على شطري البيت الواحد فقط، واستطاع نظامي نظم القصة في نحو خمسة آلاف بيت من الشعر، وهو أمر لم يتيسر للموضوع في العربية. وحافظ الشاعر الفارسي على الإطار العام للموضوع فبدت ملامحه تشبه إلى حد بعيد ما ورد في الروايات العربية، لكن الضرورة الفنية دعت الشاعر إلى إشباع القصة بعناصر لم ترد في الأصل العربي الذي ضم الروايات المعروفة حول الموضوع، ونعني به كتاب "الأغاني للإصفهاني" مما حدا ببعض النقاد إلى القول بأن "نظامي" ربما يكون قد أتى بهذه العناصر من كتاب – لم نعرفه بعد – جمع تلك العناصر التي تمثلت في إضافة عدد من الشخصيات والمواقف والمشاهد إلى الموضوع مما لا نجد له أثراً في الأصل العربي. غير أنه يتبين لنا من الدراسة التحليلية لقصة نظامي أن هذه الإضافات التي أضافها كانت محاولة منه لإشباع الموضوع وإعماره بالعناصر الدراسية والصّور المتخيلة التي جعلت منه نموذجاً يُحتذى في الفن والإبداع. على أن الشاعر قد لجأ إلى المبالغة في تصوير الشخصيات المحورية في قصته – وخاصة شخصية قيس – فأخرج هذه الشخصية عن ملامحها التي عُرفت بها في الأصل العربي، حين جعل قيساً ابن ملك من ملوك العرب، وجعل لقاءه بليلى في مدرسة صغيرة يتعلم فيها أبناء البيوتات، ورأى أن السبب في رفض أهل ليلى تزويجها من قيس ليس راجعاً إلى تشبيبه بها، بل هو راجع إلى جنونه. والواقع أن هذه المبالغات والإضافات تعد – في رأينا – أسباباً موضوعية وفنية غايتها أن يرسم الشاعر لهذه الشخصيات صورة تتفق وتتواءم مع مقتضيات البيئة التي يعيش فيها في آذربايجان. وقد حدا هذا بالشاعر أيضاً أن يؤوّل بعض السمات في شخصية قيس العربية تأويلاً صوفياً يتمشى مع التيار الغالب في الحياة الثقافية والأدبية في عصره. أما ليلى فقد نالت صورتُها في القصة الفارسية مزيداً من الإضافة، حيث صوّرها "نظامي" في صورة مثالية عُذرية، وأعطى لها دوراً إيجابياً في الأحداث ليدل بذلك على أنها قادرة على الفعل، شأنها شأن قيس. ومهما يكن من أمر، فإن نظامي كان أول من نقل الموضوع من حالته الأولية الغُفل في أدبنا العربي إلى الأدب الآذربايجاني، وتبعه شعراء كثيرون من الفرس، عالج كل واحد منهم الموضوع برؤية فنية مختلفة. ثم ما لبث الموضوع أن انتقل إلى الأدب التركي، حتى عاد إلينا بصورة جديدة تماماً في أدبنا العربي الحديث على نحو ما صورّه أمير الشعراء أحمد شوقي في مسرحيته الرائعة "مجنون ليلى". ___________________ |