عين الله على عالمنا المتخبط
بقلم : سلمى بالحاج مبروك
إذ كان العرب يرون في ( المتنبي) على أنه أحد أعظم شعراء العرب ، و بأنه نادرة زمانه، وأعجوبة عصره ، وأحد مفاخر الأدب العربي الآن و بعد اطلاعي على شعر ( منير مزيد ) و تجربته أقول: لقد صار لنا "متنبينا" الخاص بنا فها هو الشعر المعاصر يحتفي بمتنبي العصر الجديد و إن إشتبها في رحلة طفولتهما الممتلئة حرمانا وترحالا وعاشا كل منهما الغربة وعصر ممتلئ بالفتن ، فإننا نرجو أن تكون نهاية المتنبي المعاصر غير نهاية المتنبي الأول الذي قتله شعره . أما متنبي عصرنافشعره سيحييه و كيف لا و هو بصدد التشييد لعمل حضاري كبير بين الشرق و الغرب يبعث الحياة و التواصل الثقافي بين شعوب الأرض كافة "و هو قد ملأ الدنيا وشغل الناس شرقا وغربا " وهو الإستثناء الشعري الوحيد الذي تتجاوز شهرته حدود العالمين الشرقي والغربي وهو الشاعر الأكثر تتويجا بالألقاب وكأننا أمام شاعر أولمبي تضيئ شعلة شعره المكان اينما حل فقد وجد شعراء إيطاليا بـ ( منير مزيد ) (أوفيد العصر) مما سارع البرفسور الإيطالي ( ببينوروزي ) بمنح هذا اللقب لـ ( منير مزيد ) ولكم أن تتخيلوا معنى أن يرى الإيطاليون شاعرهم الأعظم (أوفيد) في الشاعر ( منير مزيد ) ألم أقل لكم أنه متنبي الشعر المعاصر ؟ .
بعد أن القينا الضوء على أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد المعروف بلقب المتنبي على ما لقيه نجد أيضا بأن (أوفيد) ايطاليا قد حكم عليه بالنفي وعاش في مدينة كونستانتسا. و كونستانتسا مدينة تقع شرقي رومانيا، مرفأ هام والرئيس على البحر الأسود، و( منير مزيد ) قد هاجر إلى رومانيا بحثا عن حلمه هناك ومن رومانيا بدأ تغريده و شدوه يسمع في كل أصقاع الأرض ، فأي مصادفة غريبة هذه التي تحدث أمام مسامعنا و كأننا أمام خرافة تحكي حكاية المنفى و الظلم و الاغتراب ؟... نعم أنها خرافة العصر الحديث الواقيعية ، بكل غرائبها وعجائبها وتجلياتها الفكرية والإنسانية ، أنها خرافة المتنبي الجديد للشعر ليس فقط الشعر العربي بل الشعر العالمي والإنساني .
حقيقة ما بدأت بهذه الافتتاحية المختصرة إلا حينما كنت أتجول بين حوار الشاعرين ( منير مزيد ) و(ميكيلي كا كمو) وحصادهما الشعري أو حوارهما الثقافي من خلال الشعر ، عندها أدركت أن عصر شعري متلبس بسرقة الحب و الجمال قد بدأ يحال على المعاش ليأخذ مكانه تجربة شعرية متفردة الشكل و المضمون ، تجربة تمثل انقلابا لا داميّا، وزلزالا حضاريا على جريمة تكفين الحروف و قبر الكلمات في مدافن الحقد المنتشرة على امتداد العالم . وها هي " قصائد بلغة النور" تضيئ عصرا قد اعتاد لباس الحداد الأسود فتنزع لباسه المأتمي بعنوة النور دون أن تريق قطرة دم واحدة و دون أن تزهق روحا ثقافية واحدة .
أليس " الشعر هو ذاكَ الانقلاب الحضاري الناجح ، الذي تقوم بهِ البشرية ضد نفسها ، دونَ عنف و دون إراقة دماء.. "
في هذا الأفق المترنح رذيلة و موتا تتفتح " قصائد بلغة النور" كفعل تحريضي على ممارسة الحب الروحي الحضاري بين شعوب الأرض إنها أكسير المعرفة الذي سيلهب مشاعركم الإنسانية وتحرك برودها العاطفي لتقذف بكم في زمانية التحديق و التأمل الروحي الصافي ، بعيدا عن ضوضاء الحياة ، وقرقعة الكلمات و طبول الموت فتحدقون في الروح فتحدق فيكم منتصرة على موت "إيروسكم" و انفجار" تناتوسكم " .
تعالوا إذن نجلس معا إلى طاولة هذا الثنائي الإنساني الفريد و نعاقر نموذجهما الشعري المتفرد الذي لم ي��ت نتيجة صدفة لأن الصدفة مجالها طاولة المقامرات بل نتيجة مغامرات عقلهما المنفتح الكبير التائق لعالم النور و لصلوات عالم يطل على اللامتناهي ولا غير سواه .
في هذا العصر المتطرف " بنرسيسية" قاتلة يبدو إن حوار الشاعر العربي الكوني( منير مزيد ) و الشاعر الإيطالي الكبير (ميكيلي كا كمو) بمثابة صرخة مدوية في وادي عبقريتهما الشعرية الإنسانية و جوابا قاطعا لحالة ثمالة التعصب و الانغلاق. أنه "تسونامي" شعري نقي و فريد سيغير خريطة جينات الشعري العالمي من حيث الجمالي و الحضاري، إنها التجربة الشعرية الأكثر شجاعة و جرأة وصدقا في تاريخ البشرية كله منذ وعى الإنسان وجوده ككائن ثقافي.
إن شعرهم بمثابة "عين الله" على عالمنا المتخبط في مس من الجنون اللامبرر قد يقول بعضهم إن الشعر ذاته جنون فكيف نعالج جنون مجانين البشر بجنون مجانين الشعراء ؟ صحيح أن" الشعر جنون" ولكنه الجنون الوحيد المثمر حبا وجمالا لأن الشاعر هو الكائن الوحيد الذي يكون في حالة نظام ممنوعة من النظام وهو الجنون المعرفي في خلاصنا الإنساني حينها نكون قد بدأنا فعليا نتعافى من زيف الحضارة المادية و صراعها المميت المعمد بماء القتل والدم و التهجير. لذلك تأتي " قصائد بلغة النور" كـ أكسير الله للأرض لتنشط ذاكرتنا التي أتلفها النسيان وأي جريمة أكبر من نسيان "اللوجوس " والتي تعني " الكلمة " و هي اقنوم المعرفة أو العقل أو النطق كما جاء يصدح بها الكتاب المقدس :
" في البدء كان الكلمة والكلمة عند الله. وكان الكلمة الله"
من هذا المنطلق تكون " قصائد بلغة النور" هي الكلمة البدء التي كانت في الله الذي كان هو بدوره كلمة التي هي المطلق . فالشعر هنا شعر من نور وكلماته من نور الله المطلق لذلك أطلقنا عليها "الشعر المطلق" بما هو شعر يعبر عن المرئي باللامرئي كما يعبر عن اللامرئي بالمرئي
فينطلق الحوار السري بينهما فيهمس الشاعر الكوني ( منير مزيد ) في أذن روح صديقه (ميكيلي كا كمو) " بالكلمة المقدسة" التي تنطلق بتشخيص واقع أطنب التحديق في العدم والسراب والضباب قائلا :
العالم يعج بالفتنه و السحر
و ما نسجته البشرية و أبدعته
سراباً في سراب
يذوي في العدم
ولن يبقَ إلا كلمة الله
لكن ما يخفف الحمل على الشاعر هو إيمانه بأن الفعل العدمي الآدمي زبد هباء منثورا وأن الخلود استثناء لا ينال شرفه إلا الكلمة وليست أي كلمة "إنها كلمة الله " وقبس النور لينتهي مصبّ"فرات قصيدته" بسكب نهر مياه ضوئها المبذور في عقل الله قائلا :
أنا الآن ، يا إلهي
عَرفتُ الطريقَ
حين بَحثتُ عنك
وَجدتُك
وَجدتُك في الشعرِ
بين قدسية الكلمات تشع نورا
والمتأمل في المعجم اللغوي المكون للقصيدة يكتشف كثافة المفردات المشتقة من معاني النور والقدسية في حالة خشوع و صلاة شعرية بأذكار كلماتها تطمئن القلوب لتقوم مقابلة صارخة بين عالم بشري تفوق شيطانه عبر حضور لمعاني "السحر والفتنة والسراب والعدم " فانتهى لفوهة من بركان ينثر حمم العدم يقابله عالم من السحر والجمال عبر مترادفات من قبل " الله الكلمات القدسية التي تشع نورا " وكأننا أمام نظام شعري يصف العالم الجليل المثالي الذي يوجد في الله قبل أن ينبثق عنه أو يفيض ، ينبثق عنه أو يفيض عنه فلا مسافة بين الله والكلمات أو الله والشعر ما دام الله موجود في الشعر وما دام الشعر موجود في الله .
حين كان الشاعر يناجي مناجاته الشعرية المقدسة انشق من مدار الأرض صوت شعري مسافر على جناحي حمائم الشعر يهدر بصوت الروح " أن لا خوف عليك ما دام بعضك مني " سأنتظرك " فلست وحدك أيها الشاعر فثمة من يربت بحنان الشعر على كتفي روحك ويتقاسم معك خبز الشعر المقدس ونبيذ الحب الإنساني وكيف لا وهو يشعر أنه يقاسمك البؤس والبأساء وأنه مثلك يحلم حلم الأنبياء ويعدك الوفاء ويعدك الخلاص ويعدك السفر إلى مكان لا يلوثه الدنس وهذا ما نلمسه في قصيدة الشاعر (ميكيلي كا كمو) من حضور كثيف لمعجم بدا أكثر تفاؤلا من معجم صديقه الشاعر حيث تعددت معاني ذات علاقة بالخلود والقدسية والنعيم والله والأغاني وهذا طبيعي لأنه يقوم بدور المخلص الذي يعد صديقه بالنعيم وحياة أفضل ويشد من أزر روحه بكلمات تضيئ لغة سماوية وتغرد تراتيل وعد بسعادة أبدية قائلا :
سَأَنتظرُك
كَقاعِدَةٍ مِن الحبِّ
مثل مخلوقٍ بائسٍ
مخلصٍ
سَأَحْملُك
إلى مكانٍ غير مدنّس
إلى مكانٍ العذارى المقدس
إلى الأرقامِ المُتَوَّجةِ
في ذاك الخلود في مملكة النعيم
سَأَمْسكُ بالجناح الذي على كتفي
أستعدُ للطيران للأعلى
سَآخذُك حيث يكون الله
إلى أغاني السماءِ
بهذه الروح المتفائلة حبا وشعرا وكلمات مقدسة ينطلق مشروع شعري واعد بين كونين شعريين عارقين في التجربة الشعرية ظاهريا يبدو التباعد الثقافي والديني واللغوي عائقا أمام تواصلهما الشعري ولكن حين تتوفر النوايا الحسنة والصدق والإيمان بوحدة الإنسانية تلك الوحدة ليس بمعنى التجانس الذي يريد من ورائه أن تقضي ثقافة ما على خصوصية وثقافة أخرى بل تلك الوحدة التي تعج داخلها بالكثرة والاختلاف والتنوع حيث أكون أنا غيري وفي نفس الوقت أحافظ على "أنا" وكذلك الشأن بالنسبة للآخر. وبهذه التجربة الشعرية الحضارية بين الشاعر الكوني ( منير مزيد ) والشاعر الإيطالي الكبير(ميكيلي كا كمو) يكونا قد أعطيا درسا حضاريا نموذجيا على امكانية لقاء الثقافات ببعضها البعض وحوارها وتخاصبها وتفاعلها فنجحا بذلك في انجاز ما عجز رجال الدين عن إنجازه فيما يتعلق بحوار الأديان .
طرقا باب الوحدة الإنسانية من زاوية الشعر والتجربة الجمالية فجاءهم الرد سريعا بالموافقة وانتصر الشعر ، نعم انتصر على كل الفقر المعرفي والتضخم الأيدولوجي العقيم المتوشح بالعنصرية لأن الجمال والشعر والحب اللغة الكونية الحقيقية التي يفهمها كل أبناء البشر